حكايات

” خطبة صنعت الخوف ” حين تحدث الحجاج فصمت العراق

كتبت / دعاء هزاع الجابري

في تاريخ الامم لا تصنع التحولات الكبرى بالسيوف وحدها بل بالكلمات التي ترسم ملامح المرحلة وتحدد طبيعة العلاقة بين الحاكم والمحكوم ، فبعض الخطب لا تبقى مجرد نصوص في كتب التاريخ بل تتحول إلى لحظات فاصلة تختصر روح زمن كامل ، وتكشف كيف تفكر السلطة حين تواجه الاضطراب ، وكيف يستجيب المجتمع حين يشعر بأن ميزان القوة قد حسم

لذلك حين جاءت لحظة صعود ” الحجاج بن يوسف الثقفي ” إلى منبر ” الكوفة ” في عهد الخليفة ” عبد الملك بن مروان ” ، كانت أكثر من خطاب سياسي عابر ، لقد كانت إعلانا لمرحلة جديدة عنوانها الحسم بعد الفوضى ، وهيبة الدولة بعد سنوات من التمرد ، ومن تلك اللحظة لم يعد السؤال عن قوة السلطة فقط ، بل عن الثمن الذي يدفعه المجتمع عندما يصبح الخوف هو الطريق إلى الاستقرار

فلم تكن الكوفة يومها مدينة هادئة ، لقد كانت مدينة تعيش على إيقاع القلق ، وتتنفس السياسة كما يتنفس الناس الهواء ، حيث الثورات تندلع والولاءات تتبدل وهيبة الدولة تتآكل مع كل اضطراب ، وفي ظل هذا المشهد المضطرب قرر الخليفة عبد الملك بن مروان أن يرسل رجلا مختلفا ، رجلا لا يجيد المساومة بقدر ما يجيد الحسم وهو ” الحجاج بن يوسف الثقفي ” ، فقد دخل الحجاج المدينة دون ضجيج ، وكأن حضوره كان تمهيدا لعاصفة لم تهب بعد ، صعد المنبر والناس ينظرون إلى رجل لا يعرفونه جيدا لكنهم يشعرون بأن القادم ليس كمن سبقوه ، لم يبدأ بمدح ولا استمالة بل بدأ بهيبة باردة وكلمات قليلة لكنها ثقيلة كالسيف ، ثم جاءت عبارته التي لم تكن مجرد جملة بل إعلان مرحلة وهي ” إني لأرى رؤوسا قد أينعت ، وحان قطافها ، وإني لصاحبها ” ، في تلك اللحظة لم يكن التهديد هو ما أخاف الناس بل الصورة التي تجسدت في نبرة الحديث ورسمت في تفاصيله ، فلم يتحدث ابن الثقفي عن عقوبة بل عن حصاد ، ولم يتوعد بالغضب بل توعد بثقة هادئة ، وكأن الأمر قد حسم قبل أن يبدأ

لقد ساد المسجد صمت ثقيل حينها ، لم يكن صمت اقتناع بل صمت إدراك بأن زمن التمرد قد انتهى وأن زمن الخوف قد بدأ ، كان ” العراق ” يومها يعيش حالة من التمرد المزمن ، خاصة في ” البصرة ” ومحيطها السياسي ، وكانت سلطة ” الدولة الأموية ” بحاجة إلى من يعيد لها الهيبة قبل أي شيء آخر ، فجاء الحجاج بمنطق بسيط وقاس وهو : إذا لم تحترم الدولة طوعا ، فستهاب قسرا ، ومع مرور الأيام تحقق ما وعد به ، هدأت الثورات ، واستقر الأمن ، وعادت هيبة السلطة ، لكن الاستقرار الذي جاء لم يكن وليد الثقة بل وليد الخشية ، فقد نجح الحجاج في فرض النظام لكنه في الوقت نفسه رسخ في الذاكرة صورة الحاكم الذي يحكم بالقوة أكثر مما يحكم بالقبول

وهنا تكمن المفارقة التي جعلت تلك الخطبة خالدة ، حيث لم تكن مجرد كلمات على منبر بل كانت لحظة تحول في علاقة السلطة بالمجتمع ، لحظة اختارت فيها الدولة طريق الهيبة بدل المصالحة والحسم بدل الاحتواء ، ولهذا بقي صدى تلك العبارة يتردد عبر القرون ، ليس لأنها الأقسى بل لأنها تختصر سؤالا سياسيا لا يزال يتكرر في كل زمان الا وهو : هل يمكن أن يصنع الخوف استقرارا دائما ؟ أم أن الاستقرار الحقيقي لا يولد إلا حين تجتمع قوة الدولة مع ثقة الناس؟ ، فلم تكن خطبة الحجاج حدثا عابرا في تاريخ العراق بل لحظة كشفت الوجه الصعب للسلطة ، حين تتحدث الدولة فيصمت الجميع

وبين صفحات التاريخ قد نختلف في الحكم على شدة الحجاج بن يوسف الثقفي ، لكننا لا نستطيع إنكار أنه كان عنوانا لمرحلة عرفت معنى الحسم حين غابت هيبة الدولة وكثرت الصراعات ، فقد أدرك أن الفوضى لا تبني أوطانا وأن الدولة التي تتردد طويلا أمام الفتن تفقد قدرتها على حماية نفسها قبل أن تفقد ثقة شعبها ، واليوم في عالمنا العربي الذي أنهكته الانقسامات والصراعات الداخلية يعود السؤال ذاته بصيغة مختلفة : كم تحتاج الأوطان إلى قيادة قادرة على إنهاء الفوضى ، وإعادة الاعتبار للقانون ، وفرض هيبة الدولة فوق كل الولاءات الضيقة؟ ،  ليس حنينا إلى القسوة لذاتها ولا دعوة إلى الحكم بالخوف بل توق إلى شخصية تملك وضوح القرار وشجاعة المواجهة وقدرة الحسم حين تصبح الفوضى خطرا على بقاء الدولة نفسها

إن ما تحتاجه مجتمعاتنا اليوم ليس تكرار الماضي بحرفيته ، بل استلهام درسه في ان دولة قوية عادلة لا تتردد في حماية الاستقرار ولا تتهاون مع الفوضى ، وفي الوقت نفسه تدرك أن الهيبة الحقيقية لا تكتمل إلا بالعدل وأن القوة التي تحمي الناس هي وحدها التي تستحق أن تهاب ، فلعل التاريخ لا يعيد رجاله ، لكن حاجتنا إلى روح الحسم التي مثلها ” الحجاج ” تبقى قائمة ، أملا في زمن تنتهي فيه الصراعات وتستعيد الأوطان استقرارها وتعود هيبة الدولة طريقا للأمان لا للخوف ، وللنظام لا للقسوة .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com