حكايات

” لوثر وثورة الفكر الاوروبي ” من صمت الكنيسة الى صوت الانسان

 

كتبت / دعاء هزاع الجابري

كانت أوروبا في أواخر القرن ” الخامس عشر ” كغابة مظلمة ، حيث كل شجرة فيها صامتة وكل ظل يحجب ضوء الشمس عن الأرض ، لقد كانت الكنيسة تمثل السماء على الأرض في سلطة مطلقة على الروح والجسد لتقول للإنسان ما يجب أن يؤمن به وكيف يعيش وكيف يموت ، وفي هذا الصمت الطويل بدا الإنسان ككائن مسلوب الصوت ، يتلو الكلمات ويصلي لكنه لا يفهم ولا يتسائل ولا يرى طريقه في الحياة إلا كما ترسمه له السلطة الدينية ، الى ان ظهر ” مارثن لوثر ” كوميض فجائي في ليلة لا تنتهي ، هذا الراهب الألماني الذي لم يكن مجرد رجل يحتج على فساد الكنيسة ، بل كان صوت العقل الذي رفض الخضوع الأعمى ، فحين نشر ” 95 أطروحة ” على باب كنيسة ” فيتنبرغ ” عام 1517 ، لم يكن ينطق فقط بالكلمات بل كان يطلق صرخة تحرر ودعوة للإنسان كي يستعيد ذاته وقدرته على التفكير والاختيار ، فقد كانت أطروحاته ليست مجرد نقد مالي أو إداري بل تمرد على الظلام الفكري الذي خنق أوروبا لعقود طويلة

أن الإصلاح الذي قاده لوثر لم يكن تحولا دينيا فحسب بل ثورة على القيود الثقافية والفكرية ، فلقد شدد على أن الكتاب المقدس هو المرجع الأعلى للإيمان بعيدا عن السلطة الكنسية التي احتكرت تفسير الحقيقة لقرون ، وبذلك أعاد للإنسان حقه في النظر والتأمل والبحث عن الحقيقة بنفسه ، فلم يعد الخلاص حكرا على رجال الدين بل أصبح رحلة شخصية وعلاقة حية بين الفرد وخالقه ، بين العقل والروح ، بين الإنسان والكون ، وإلى جانب ذلك كانت ترجمة الكتاب المقدس إلى اللغة الألمانية أكثر من مجرد إنجاز لغوي حيث كانت تمكينا للإنسان من الفهم المباشر وكسرا للقيود التي فرضها الاحتكار اللغوي والمعرفي ، فلم يعد العاديون متلقين صامتين بل أصبحوا مشاركين في صناعة الفكر وحراسا للمعرفة وأصواتا تتحدى الظلام

لتتكشف لنا الفلسفة في تجربة لوثر بأنها ليست مجرد درس ديني بل رحلة نحو الحرية الداخلية والخارجية من : تحد للظلمة بالنور ومواجهة للسلطة بالوعي وإيمان بأن الحقيقة لا تباع ولا تفرض بل تستكشف وتعاش ، ففي صراعه ضد الظل أعاد لوثر للبشرية تذكيرا قديما لكنه متجدد بأن العقل نور والشك سؤال والتساؤل طريق للخلاص ، ومع هذه الشرارة بدأت أوروبا تتنفس لأول مرة منذ قرون وتخرج شيئا فشيئا من العصور المظلمة ، فلم يكن خروجها مجرد حدث سياسي أو ديني بل كان رحلة فلسفية نحو الاستقلال الفكري ونحو إدراك أن الظل ليس قدرا محتوما وأن العقل والنور يمكنهما أن يحررا الإنسان من قيوده
واليوم حين ننظر إلى التاريخ يبدو لنا لوثر أكثر من راهب أو مصلح ، إنه رمز لإرادة الإنسان في مواجهة الظلام وشعلة للعقل والتساؤل ونور يذكرنا بأن التغيير يبدأ دائما من الداخل قبل أن يضيء العالم الخارجي ، ليبقى في النهاية درسه خالصا وبسيطا في جوهره بان لا ظلم أبدي ولا قيود مطلقة ولا سلطة قادرة على سلب العقل والروح إذا قرر الإنسان أن يرى النور ويختار طريقه بنفسه ، فأوروبا الحديثة اليوم تنبض بحرية الفكر والوعي ، ولا يمكن فهم هذا التنوع والازدهار إلا من خلال إرث لوثر

فقد ساعدت سياسيا تحدياته للسلطة الكنسية في إعادة رسم العلاقة بين الدين والدولة ، فتأسست فكرة الفصل بين الكنيسة والسياسة وأصبح للحكومات الحرية في صنع القرار بعيدا عن السيطرة الدينية المباشرة ، مما مهد الطريق لنشوء الديمقراطيات الحديثة ، واجتماعيا منح لوثر الإنسان الحق في الاختيار والتعبير الفردي وأطلق سلسلة من التحولات التي رفعت من شأن التعليم وجعلت المعرفة متاحة للناس العاديين ، فبدأ المجتمع يتشكل على أساس العقل والنقد لا على الخضوع الأعمى للتقاليد ، حتى أصبح المواطن العادي اليوم شريكا في صناعة الفكر والمجتمع ومستفيدا من قرارات الإصلاح التي بدأت قبل خمسة قرون ، اما ثقافيا فقد أرست أفكار لوثر أسس التنوع الفكري والفني فزاد الاهتمام بالقراءة والتعلم والفلسفة والفنون ، وأصبحت أوروبا مكانا يحتفي بالاختلاف ويغذي الإبداع ، فاصبحت الكتابة والنقد والفكر المستقل جزءا من هوية الثقافة الأوروبية ، من خلال جذور الإصلاح الذي أعلن أن الإنسان قادر على التفكير بنفسه والبحث عن الحقيقة بحرية

باختصار أن لوثر لم يغير أوروبا دينيا فحسب بل أشعل شعلة العقل والحرية التي ما زالت تضئ الحياة الأوروبية اليوم ، فإرثه يظهر في سياسات الديمقراطية وفي مجتمع يقدر المعرفة وفي ثقافة تحتفي بالفكر والفن والإبداع ، لذلك أوروبا اليوم بكل حريتها وتنوعها لا تزال تنظر إلى لوثر كشرارة أولى أضاءت الطريق من ظلال العصور الوسطى إلى نور الحداثة .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com