رحل فى مثل هذا اليوم الشيخ عبدالفتاح الشعشاعى أحد عمالقة التلاوة
رحل فى مثل هذا اليوم الشيخ عبدالفتاح الشعشاعى أحد عمالقة التلاوة

كتب: محمد عبد اللطيف بدوي
وُلد الشيخ عبد الفتاح الشعشاعي عام 1890 في قرية شعشاع بمحافظة المنوفية، في أسرة عُرفت بحبها للقرآن الكريم وحفظه، فشبّ في بيئة دينية خاشعة تتنفس التلاوة والتقوى. تلقى تعليمه الأولي في كتّاب القرية، حيث حفظ القرآن الكريم كاملًا وهو لم يتجاوز العاشرة من عمره، ثم انتقل إلى القاهرة ليلتحق بالأزهر الشريف، فنهل من علومه الشرعية واللغوية وأتقن أحكام التلاوة والتجويد، حتى أصبح واحدًا من أبرز القراء الذين حملوا رسالة القرآن بصوت مهيب وأداء متقن.
امتاز الشيخ الشعشاعي بصوت رخيم قوي يملؤه الخشوع والرهبة، جمع بين جمال النغمة ودقة الأداء، وكان يمتلك قدرة فريدة على الانتقال بين المقامات الموسيقية بيسر دون أن يخرج عن روح الآية أو معناها. هذا التوازن بين الفن والروحانية جعله من أوائل القراء الذين جمعوا بين الأصالة والابتكار، فكان أداؤه مدرسة في الذوق القرآني والالتزام الديني. تأثر في بداياته بالشيخ محمد رفعت، لكنه سرعان ما كوّن أسلوبه الخاص الذي ميّزه بين قراء عصره، وأصبح نموذجًا يُحتذى في الأداء الموزون المفعم بالعاطفة.
بدأ الشيخ الشعشاعي مسيرته في التلاوة في المساجد الكبرى بالقاهرة مثل مسجد سيدنا الحسين والسيدة زينب، حيث اجتمع حوله المصلون من مختلف الطبقات يستمعون إلى صوته الذي يمسّ القلوب. انتقل بعد ذلك إلى الإذاعة المصرية منذ تأسيسها في الثلاثينيات، فكان من أوائل من قرأوا القرآن عبر أثيرها، ليصل صوته إلى ملايين المستمعين في مصر والعالم العربي. ومن خلال الإذاعة، أصبح صوته مألوفًا في البيوت والمساجد، يُستقبل بوقار في المناسبات الدينية وفي شهر رمضان المبارك.
كان الشيخ الشعشاعي يتمتع بشخصية هادئة متزنة، يتحدث قليلًا ويُكثر من التأمل والعبادة. عُرف بورعه وتقواه وابتعاده عن الأضواء، وكان يرى أن التلاوة عبادة قبل أن تكون فنًا، لذلك رفض أن يتقاضى أجرًا في بداياته احترامًا لكلام الله، ثم قبل الأجر لاحقًا بعد أن صار ذلك نظامًا عامًا للقراء. كان شديد الحرص على أن يؤدي التلاوة بخشوع حقيقي، مؤمنًا بأن القارئ ليس مجرد مؤدٍ للألفاظ، بل ناقل لمعاني الوحي إلى القلوب.
امتد تأثير الشيخ الشعشاعي إلى الأجيال اللاحقة من القراء الذين نهلوا من فنه واستلهموا منه الدقة والصدق في الأداء. كان قدوة في الالتزام والاحترام والوقار، وأحد المؤسسين لمدرسة القراءة المصرية التي امتازت بالرصانة والالتزام بأحكام التجويد مع جمال النغمة. كما شارك في العديد من المناسبات الدينية داخل مصر وخارجها، فقرأ في الحرمين الشريفين وفي العديد من الدول العربية والإسلامية، فحمل بصوته رسالة القرآن إلى قلوب الناس في مشارق الأرض ومغاربها.
استمر عطاؤه حتى السنوات الأخيرة من حياته، رغم ما أصابه من مرض، وظل يقرأ القرآن بصوت خاشع يحمل عبق السنين، حتى رحل عن الدنيا عام 1962 بعد حياة قضاها في خدمة كتاب الله ونشر جمال تلاوته. ترك خلفه إرثًا من التسجيلات الإذاعية الخالدة التي ما زالت تبث إلى اليوم، فتملأ الأسماع بخشوعها وصدقها، وتذكّر المستمعين بجيل القراء العظام الذين جعلوا من التلاوة فنًا راقيًا ورسالة سماوية.
يبقى الشيخ عبد الفتاح الشعشاعي رمزًا خالدًا للقارئ المصري الأصيل الذي جمع بين العلم والصوت والورع، فصار صوته جزءًا من وجدان الأمة الإسلامية، ونموذجًا فريدًا للتلاوة التي تهز القلب وتوقظ الروح، وتذكّر الناس بعظمة كلام الله وجمال من يتلوه بإخلاص وإيمان.



