” بين ركعات قرطبة يعيش عبق الأندلس” رحلة الشرق في تراويح اسبانيا

كتبت / دعاء هزاع الجابري
حين تهب نسائم الليل في سماء قرطبة وتتلألأ أضواء المدينة القديمة ، يبدو جامع ” قرطبة الكبير ” وكأنه قلب المدينة النابض بروح التاريخ ، هناك حيث تتشابك الأقواس المزدوجة من الرخام الأحمر والأبيض وتنساب الزخارف العربية بين ضوء المصابيح ، تبدأ صلاة التراويح فتتحول أركان الجامع إلى محفل من الصفاء والسكينة ، ففي هذا المكان كل خطوة على أرضية الرخام تحمل صدى قرون من الحضارات ، من العرب الأندلسيين الذين شيدوا هذا الصرح العظيم إلى الأجيال التي جاءت بعدهم حاملة معها نبض الحاضر ، فمع كل ركعة من التراويح هناك يشعر المصلون بأنهم جزء من رواية زمنية لا تنقطع ، رواية تجمع بين الشرق والغرب ، بين الماضي والحاضر ، بين التاريخ والحياة اليومية
فالأصوات تتحد في تلاوة ” القرآن ” لتجسد روحانية الذاكرة والجمال معا ، فالصمت هنا ليس فراغا بل لغة تتحدث عن تقديس المكان واحترام التاريخ ، وكل آية تقرأها الأرواح هي جسور من الضوء تمتد بين الحجارة القديمة والوجوه المعاصرة ، وبين المصلين الذين جاءوا من كل حدب وصوب ليشاركوا لحظة من الصفاء الروحي لا تعرف حدودا ، ليصبح الزمان في لحظة السجود حوارا بين العصور ، حيث يختلط عبق الحضارة العربية الأندلسية برائحة البخور المعاصر ، ويختلط صدى الأذان القديم بأصوات المصلين الذين يملأون المكان بالخشوع ، إنها صلاة التراويح في قرطبة حيث المكان الذي تتجلى فيه الإنسانية في أبهى صورها والذي لا يرى به الفرق بين الشرق والغرب وبين الماضي والحاضر ، بل يحس به فقط دفء اللقاء الروحي
هنا في جامع قرطبة الكبير ، تصبح صلاة التراويح أكثر من مجرد عبادة ، إنها رحلة بين الزمان والمكان وبين الحجر والروح وبين التاريخ والحياة ، ومن خلال هذا اللقاء يكتشف كل من يشارك في الصلاة أن الروح تتغذى على الانسجام بين الجمال الروحي والجمال الحضاري وأن لحظة واحدة من الصفاء قد تحمل فيها قرونا من الحكمة والجمال ، لتصبح شاهدة على أن السلام بين الثقافات يبدأ من داخل النفس قبل أن يمتد إلى العالم ، لذلك مهما غاب الماضي ومهما تبدلت الوجوه والأزمان ، يبقى عبق ” الأندلس ” حاضرا في كل حجر من حجارة جامع قرطبة وفي كل همسة تقرأها الأرواح في صلاة التراويح
إن عصر الأندلس لم ينته حقا بل يعيش بنا ، في حضورنا ، في تلاوتنا للقرآن ، وفي تناغم الشرق بالغرب الذي يتجدد مع كل ركعة وسجدة ، ليصبح الماضي بذلك خالدا والحضارة باقية تذكرنا دائما بأن ما بناه الأسلاف من جمال وروح لا يمحى ، وأن التاريخ يعيش في كل قلب يفتح أبوابه للصفاء والإيمان .



