المرأةلايت

تائهة بين نبضات قلبها وساعة الحائط: صراع الهرمونات، لقمة العيش، وسباق لا ينتهي

فكرة وأعداد: محمد الشريف

رنين السادسة صباحاً

لم يكن صوت المنبه مجرد إشارة للاستيقاظ، بل كان أشبه بصفارة إنذار تعلن بدء النوبة الأولى في حياة ياسمين.

ياسمين 29 عاماً تجسد اليوم كل امرأة في الشرق الأوسط؛ هي تلك الفتاة التي لم تفارقها أحلام الطفولة، الطالبة التي تلاحق شغفها العلمي، الزوجة التي تحمل على عاتقها دفء البيت، والعاملة التي تواجه طاحونة الاقتصاد. تتأمل وجهها في المرآة، تلمح إرهاقاً تغذيه تقلبات بيولوجية لا ترحم (هرمونات تتبدل بين مد وجزر)، وضغوطاً مادية تزداد شراسة في ظل واقع اقتصادي شرق أوسطي يفرض شروطه القاسية.

صراع الهرمونات وضغط الحياة: معركة خلف الكواليس

بينما تشير الإحصائيات الأخيرة إلى أن نسبة النساء في القوة العاملة بالشرق الأوسط قد ارتفعت لتصل إلى حوالي 22% في السنوات الأخيرة، فإن ما لا تنقله الأرقام هو المعركة غير المرئية.

تستقل ياسمين حافلة العمل وهي تعاني من أعراض متلازمة ما قبل الطمث (PMS). هذا ليس مجرد عذر عابر؛ تشير الدراسات الطبية إلى أن 75% من النساء يختبرن أعراضاً جسدية ونفسية تؤثر على تركيزهن. تجمع ياسمين بين تقلبات الـ “إستروجين” و”البروجسترون”، وبين التفكير في فاتورة الكهرباء، أقساط الجامعة، وتأمين متطلبات المنزل.

الرجل قد يحمل عبء العمل والمال، لكن المرأة في الشرق الأوسط تحملهما وهي تقود سفينتها وسط أمواج هرمونية عاتية وتوقعات مجتمعية لا تغفر الخطأ.

في ميدان العمل: مقارنة عادلة أم سباق حواجز؟

تصل ياسمين إلى مكتبها في شركة التسويق الرقمي، لتجد زميلها “أحمد” قد وصل للتو. هنا تبدأ مقارنة من نوع خاص في ميدان العمل:

التركيز والمسؤوليات:

أحمد يركز بنسبة 100% على مهامه الوظيفية وتطويره المهني. أما ياسمين، فبينما تحلل البيانات، تفكر في قائمة المشتريات، وتراجع ذهنياً محاضرات الماجستير التي يجب أن تدرسها ليلاً.

 

الفجوة في الأجور (Wage Gap): 

رغم الكفاءة المتساوية، تشير تقارير المنتدى الاقتصادي العالمي إلى أن الفجوة في الأجور بين الجنسين في المنطقة لا تزال تتراوح بين 20% إلى 30% لصالح الرجال في بعض القطاعات الخاصة.

إثبات الذات: تضطر المرأة لبذل 

جهد مضاعف بنسبة 150% لتثبت أنها “جديرة” بالمنصب القيادي، متجاوزةً الصورة النمطية التي تراها ككائن عاطفي يسهل أن يعيقه الحمل أو الأمومة.

الأمل وسط الرماد: واحة التحديات والإنجاز

رغم هذه اللوحة التي قد تبدو قاتمة، إلا أن بصيص الأمل يلمع في عيني ياسمين وكل امرأة تشبهها. التحدي خلق جيلاً من النساء يتمتع بـ “المرونة النفسية” والقدرة على إدارة الأزمات (Multitasking) بشكل يفوق الرجال في كثير من الأحيان.

تظهر البيانات الصادرة عن مؤسسات ريادة الأعمال في المنطقة أن النساء يدِرن ما يقرب من 35% من الشركات الناشئة الرقمية في العالم العربي، وهي نسبة تتفوق أحياناً على معدلات وادي السيليكون في أمريكا! إنها مفارقة عجيبة: من رحم المعاناة المادية وضيق الوقت، تولد العبقرية النسائية.

غروب الشمس.. وبداية النوبة الثانية

تعود ياسمين إلى المنزل عند السادسة مساءً. أحمد ربما يتجه إلى المقهى أو النادي الرياضي لتفريغ ضغط العمل. أما ياسمين، فتخلع حذاء العمل لترتدي مريلة المطبخ، وتفتح كتب الجامعة لـ “تذاكر” وتستعد لدور الزوجة.

تلك “البنت والسيدة” لا تطلب الشفقة، بل تطلب العدالة؛ بيئة عمل تقدر طبيعتها البيولوجية، واقتصاداً ينصف جهدها، ومجتمعاً يدرك أن نجاحها ليس تهديداً للرجل، بل سنداً حقيقياً له في زمن أصبحت فيه الحياة تتطلب ذراعين قويين.. ذراع الرجل، وذراع المرأة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى