وثائق وحكايات

رحل فى مثل هذا اليوم العالم الايطالى إنريكو فيرمي

كتب محمد عبد الطيف 

 

واحد من أبرز العقول العلمية في القرن العشرين، وقد شكّل حضوره نقطة تحول في تاريخ الفيزياء الحديثة، سواء عبر إسهاماته النظرية الدقيقة أو عبر قدرته العملية الفذة على تحويل المفاهيم إلى تطبيقات ملموسة.

وُلد في روما عام 1901 وسط بيئة أوروبية كانت تتفاعل فيها الأفكار العلمية بسرعة لافتة، ومع ذلك برز منذ طفولته بتفوق واضح وميول استثنائية نحو الرياضيات والفيزياء، ما جعله يحظى باهتمام أساتذته الذين أدركوا أن أمامهم موهبة خارقة.

 

تميّز فيرمي بقدرته على الجمع بين العمق النظري والمهارة التجريبية، وهو أمر نادر في ذلك الوقت. فقد قدّم منذ شبابه أبحاثًا رائدة حول الإحصاء الكمّي لما يُعرف اليوم بإحصاء فيرمي–ديراك، وهي القاعدة التي تفسر سلوك الإلكترونات والجسيمات التي تتبع مبدأ الاستبعاد لباولى. هذا الإنجاز وضع اسمه مبكرًا ضمن الصف الأول من الفيزيائيين الأوروبيين، ورسّخ مكانته بوصفه واحدًا من أبرز المساهمين في صياغة ميكانيكا الكم.

 

ومع انتقاله إلى الولايات المتحدة في ثلاثينيات القرن الماضي، ازداد تأثيره العلمي اتساعًا. كان الدافع وراء رحيله التقاء الظروف العلمية بتهديدات سياسية فرضها صعود الفاشية في إيطاليا، ولا سيما بسبب أصول زوجته اليهودية. هناك، في الأراضى الأميركية، وجد بيئة بحثية أكثر رحابة، وانضم إلى جامعة كولومبيا ثم إلى جامعة شيكاغو، حيث بدأ العمل على سلسلة من التجارب التي ستغيّر وجه العالم.

 

بلغت تجربته الأشهر ذروتها عام 1942 حين قاد فريقًا علميًا ضخماً لبناء أول مفاعل نووي تحت مدرجات ملعب في جامعة شيكاغو.

وقد تحقق ذلك في الثالث من ديسمبر، حين تمكن فيرمي من الوصول إلى أول تفاعل نووي متسلسل مُسيطر عليه في التاريخ. كانت تلك اللحظة بداية عهد جديد من الطاقة النووية، إذ أثبتت أن الانشطار يمكن التحكم فيه وإدارته لإنتاج الطاقة أو لأغراض أخرى أكثر حساسية، وهو ما سيؤدى لاحقًا إلى تطورات هائلة، بعضها خيّر وبعضها الآخر بالغ الخطورة.

 

إسهاماته لم تتوقف عند حدود البحث النووي. فقد كان أستاذًا ملهمًا لطلابه، واشتهر بقدرته على تبسيط الأفكار المعقدة وابتكار طرق تقدير ذكية تُعرف اليوم باسم “مسائل فيرمي”، التي تختبر قدرة التفكير المنطقي عبر تقديرات تقريبية سريعة.

وقد كانت هذه القدرة على التبسيط والتجريب من أهم سماته المميزة، إذ جمع بين عقلية الرياضي، ويد المهندس، وبصيرة العالم.

 

نال فيرمي جائزة نوبل عام 1938 عن اكتشافه للعديد من العناصر المشعة الاصطناعية من خلال قذف النيوترونات، وكان هذا التقدير العالمي تتويجًا لمسيرة علمية استثنائية، لكنه لم يكن نهاية عطائه؛ فبعد الحرب عمل على تطوير المفاعلات النووية للأغراض السلمية وشجع على الاستفادة من الطاقة الذرية في إنتاج الكهرباء والبحث العلمي.

 

ظل فيرمي حتى وفاته عام 1954 مثالاً للعالم الذي يجمع بين الدقة والشغف، وبين الجرأة والاحتياط، وبين الطموح العلمي والإحساس بالمسؤولية الأخلاقية.

وقد ترك إرثًا معرفيًا وتقنيًا لا يزال أثره ممتدًا في مجالات الفيزياء النووية، والطاقة، والبحث العلمي الحديث، بما يجعل اسمه واحدًا من العلامات المضيئة في تاريخ العلوم.

محمد ابراهيم

تحيا_مــ𓁳_𓆃ـصــ𓅮ـر _𝕰𝖌𝖞𝖕𝖙𓁳𓄿𓅓

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى