
كتب: إبراهيم رمضان الهمامـي : 30سبتمبر 2025
لم يعد المشهد العالمي اليوم قابلاً للقراءة بعيون تقليدية أو وفق القواعد القديمة التي حكمت العلاقات الدولية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.
فما نراه ليس مجرد صراعات متفرقة أو نزاعات إقليمية محدودة، بل هو لوحة واسعة ومعقدة تُرسم على وقع تداخل المصالح الكبرى، وتضارب المشاريع الاستراتيجية، ومحاولات كل قوة فرض هيمنتها أو حماية وجودها.
وفي قلب هذه اللوحة تقف الفوضى كعنوان عريض، ليست مجرد نتيجة عابرة للاضطرابات، بل تكاد تكون سياسة مقصودة ووسيلة مدروسة لإدارة العالم.
وهنا يتجلى السؤال الأكبر: من يقود هذه الفوضى العالمية؟ هل هو الغرب الذي اعتاد الإمساك بمفاتيح القوة لعقود طويلة، أم الشرق الذي صعد في السنوات الأخيرة ليشكل نداً حقيقياً؟
ثم أين سيندلع فتيل الحرب المقبلة التي ستحدد شكل النظام الدولي الجديد:
في روسيا التي تخوض حربها المصيرية في أوكرانيا، أم في الصين التي تنازع أميركا على عرش الاقتصاد والسياسة العالمية، أم في إيران التي تقف على تخوم مواجهة كبرى مع الغرب وحلفائه في المنطقة؟
حين نتأمل التاريخ المعاصر نجد أن الغرب، وتحديداً الولايات المتحدة الأميركية، كان دائماً في موقع المبادِر إلى صناعة الأزمات أو استثمارها.
منذ لحظة انتصارها في الحرب العالمية الثانية، تحولت واشنطن إلى “شرطي العالم”، لكنها لم تكن شرطة لحماية القانون الدولي بقدر ما كانت شرطة لحماية مصالحها الاستراتيجية.
فحرب فيتنام لم تكن إلا محاولة لوقف تمدد الشيوعية، وغزو العراق لم يكن إلا سعياً للسيطرة على منابع النفط وفرض نظام سياسي يخدم التوجه الأميركي. وفي أفغانستان لم يكن الهدف الحقيقي “محاربة الإرهاب”
كما ادعى الخطاب الرسمي، بل تثبيت قواعد النفوذ في قلب آسيا الوسطى. وحتى في أوروبا الشرقية، حين انهار الاتحاد السوفيتي، لم يتوقف الغرب عن دفع حدود الناتو شرقاً، في محاولة لمحاصرة روسيا ومنعها من استعادة قوتها.
هذه السياسة أنتجت نمطاً متكرراً: كلما برزت قوة جديدة تهدد مصالح الغرب، سعى لإشعال الفوضى حولها، إما بالحروب المباشرة، أو بإذكاء النزاعات الداخلية، أو باستخدام سلاح العقوبات الاقتصادية.
ومع ذلك، فإن العقدين الأخيرين شهدا تحولات نوعية قلبت المعادلة. فروسيا التي ظن الغرب أنه قضى عليها بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، استعادت عافيتها تدريجياً تحت قيادة بوتين، وأصبحت فاعلاً مركزياً في ملفات أوكرانيا وسوريا والشرق الأوسط وأفريقيا.
والصين التي كانت توصف قبل عقود بأنها “مصنع العالم” تحولت إلى منافس اقتصادي وعسكري وتكنولوجي مرعب لواشنطن، يقود مشاريع عابرة للقارات مثل “الحزام والطريق”، ويقف نداً في مجالات الذكاء الاصطناعي والطاقة النووية والفضاء.
أما إيران، فقد تمكنت رغم العقوبات والحصار المستمر منذ أربعة عقود، من بناء شبكة نفوذ إقليمي واسعة، ومن تطوير قدرات عسكرية وصاروخية ونووية جعلتها رقماً صعباً في أي معادلة تخص الشرق الأوسط.
هذه القوى لم تعد مجرد أطراف مدافعة، بل باتت هي الأخرى قادرة على صناعة الفوضى وإدارة الأزمات وفق مصالحها. الحرب الروسية في أوكرانيا ليست فقط دفاعاً عن حدود أوكرانية، بل هي رسالة للعالم بأن موسكو قادرة على تحدي الغرب، وأنها مستعدة لاستخدام القوة العسكرية لحماية مجالها الحيوي.
في المقابل، ضخ الغرب مليارات الدولارات من السلاح والتمويل إلى كييف، ليحول الحرب إلى مواجهة مفتوحة بالوكالة بينه وبين روسيا.
استمرار هذه الحرب أو توسعها سيعني أن أوروبا قد تصبح مسرح الحرب المقبلة الكبرى، خاصة مع ارتفاع احتمالات التصادم المباشر بين روسيا والناتو.
الصين من جهتها تخوض صراعاً أكثر هدوءاً، لكنه لا يقل خطورة. فهي تمارس حرباً اقتصادية وتكنولوجية ضد الولايات المتحدة، وتواجه حصاراً استراتيجياً عبر تحالفات أميركية في المحيطين الهندي والهادئ.
ورغم أن الصراع ما زال في الغالب “بارداً”، إلا أن قضية تايوان تبقى برميل البارود الذي يمكن أن يفجر مواجهة عسكرية مباشرة.
تايوان بالنسبة لبكين جزء لا يتجزأ من أراضيها، بينما تراها واشنطن خط دفاع متقدم ضد التمدد الصيني. وإذا اندلعت الحرب في بحر الصين الجنوبي، فإنها لن تبقى محدودة، بل ستتحول إلى صراع عالمي على الهيمنة.
أما إيران، فهي تمثل نموذجاً آخر لإدارة الفوضى من موقع التحدي. عبر حلفائها في لبنان وسوريا والعراق واليمن، باتت طهران قادرة على التأثير في أمن الخليج والبحر الأحمر وشرق المتوسط.
أي مواجهة عسكرية مباشرة معها، سواء عبر إسرائيل أو الولايات المتحدة، ستشعل المنطقة بأسرها، وستهدد إمدادات الطاقة العالمية، ما يجعل الحرب مع إيران خياراً محفوفاً بالمخاطر لكنه يظل مطروحاً على الطاولة.
العالم إذاً يقف عند مفترق طرق خطير. الغرب ما زال يمتلك اليد الطولى في الإعلام والاقتصاد والتحالفات العسكرية، لكنه يواجه خصوماً لم يعودوا ضعفاء أو مشتتين.
الشرق بدوره يزداد ثقة بنفسه، ويستخدم كل أدوات القوة الصلبة والناعمة لفرض نفسه في النظام العالمي. الفوضى باتت مسرحاً مشتركاً، لكنها أيضاً أصبحت ميدان اختبار لميلاد نظام دولي جديد قد يكون متعدد الأقطاب.
من الناحية التاريخية، يمكن مقارنة الوضع الراهن بمرحلة الحرب الباردة، حيث عاش العالم على وقع الصراع بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي.
لكن الفارق اليوم أن اللاعبين أكثر، والمصالح أكثر تعقيداً، وأدوات الصراع أكثر تنوعاً.
فإذا كانت الحرب الباردة الماضية قد قامت على الردع النووي والصراع الأيديولوجي، فإن الحرب المقبلة ستقوم على التكنولوجيا والاقتصاد والطاقة، مع بقاء السلاح التقليدي والنوي كأدوات ردع قصوى.
وهنا يظهر السؤال الأكبر: هل نحن أمام حرب عالمية ثالثة وشيكة؟ قد لا تكون حرباً تقليدية بالمعنى الكلاسيكي، لكنها بالتأكيد حرب شاملة بأدوات جديدة.
قد تبدأ في أوكرانيا، أو في بحر الصين الجنوبي، أو في الخليج، لكن آثارها ستمتد إلى كل أنحاء العالم. نحن أمام مرحلة يعاد فيها رسم الخرائط السياسية والاقتصادية، وتُختبر فيها إرادة الشعوب والدول.
إن الفوضى التي نعيشها اليوم ليست مجرد اضطراب عابر، بل هي المخاض الذي يسبق ولادة عالم جديد. الغرب يقاتل للحفاظ على عرشه، والشرق يتقدم لانتزاع موقعه، وفي المنتصف يقف العالم كله على حافة الانفجار. الحرب المقبلة، أياً كان مكانها، لن تكون نهاية صراع بقدر ما ستكون بداية لمرحلة تاريخية جديدة ستحدد شكل النظام الدولي لعقود قادمة.



