وثائق وحكايات

في ذكرى رحيله.. أحمد محمد عوف “حارس المعرفة” الذي طوع العلم لخدمة الإنسان

بقلم: محمد عبد اللطيف بدوي

​يوافق اليوم الرابع عشر من يناير، ذكرى رحيل واحد من أبرز القامات الموسوعية في الثقافة المصرية المعاصرة؛ الكاتب والباحث أحمد محمد عوف (1936-2007). هو الصيدلي الذي لم تحبسه الجدران الزجاجية للمختبرات، بل انطلق بمبضع الجراح وعقل الفيلسوف ليشرح تاريخ الحضارات ويسجل تطور الفكر الإنساني في موسوعات وكتب ستظل مرجعاً للأجيال.

​من “المحمودية” إلى رحاب العلم الشامل

​وُلد عوف في مدينة المحمودية بمحافظة البحيرة في 9 يناير 1936، ونشأ في بيئة مصرية أصيلة غرست فيه شغف البحث. تخرج في كلية الصيدلة بجامعة القاهرة، وخدم لسنوات طويلة كصيدلي بالقوات الجوية المصرية، لكن طموحه المعرفي كان يتجاوز تركيب الأدوية إلى “تركيب الأفكار” وصياغة الوعي.

​الكتابة كمسؤولية اجتماعية

​منذ ستينيات القرن الماضي، آمن عوف بأن المعرفة مسؤولية لا تكتمل إلا بنشرها. ومن هنا، بدأ مشواره الصحفي بانتظام في جريدة “الأخبار” ومجلة “العلم”، حيث تميز بأسلوب فريد يجمع بين:

  • الصرامة العلمية: كمتخصص في الكيمياء والصيدلة.
  • التبسيط المعرفي: لضمان وصول المعلومة العلمية المعقدة للقارئ العادي دون إخلال.
  • الرؤية البانورامية: حيث ربط بين الطب والفلك، وبين الآثار والفلسفة، وبين التاريخ والهوية.

​الموسوعي المحارب للخرافة

​لم يكن أحمد محمد عوف مجرد ناقل للمعلومات، بل كان “مشروعاً ثقافياً” يسعى لبناء إنسان عصري يحترم العقل. عبر انتمائه لاتحاد كتاب مصر، خاض معارك فكرية صامتة ضد الخرافة، محاولاً تقديم قراءة نقدية علمية للتاريخ والحضارات القديمة، بعيداً عن التبسيط الساذج.

​أنجز عوف موسوعات تاريخية وعلمية ضخمة، قدمت رؤية شاملة لتطور الإنسان، واعتبر أن “الثقافة هي الفعل الحقيقي لمقاومة الجهل والنسيان”.

​رحيل هادئ وإرث باقٍ

​في 14 يناير 2007، رحل أحمد محمد عوف في القاهرة، تاركاً خلفه مكتبة ثرية من المقالات والكتب التي تشهد على إخلاصه لرسالة العلم. رحل الرجل الذي آمن بأن التقدم لا يتحقق إلا بالوعي، تاركاً أثراً لا يمحى في وجدان القراء الذين استمتعوا برحلاته الفكرية عبر العصور.

​سيبقى عوف نموذجاً للمثقف الموسوعي الهادئ، الذي عمل في صمت ليبني جسراً بين العلم والإنسانيات، مؤكداً أن الكلمة الصادقة هي أبقى ما يتركه الإنسان.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى