وثائق وحكايات

رحل فى مثل هذا اليوم الاديب المصرى سعد الدين وهبه

رحل فى مثل هذا اليوم الاديب المصرى سعد الدين وهبه

 

كتب:  محمد عبد اللطيف بدوي

 

وُلد الأديب المصري سعد الدين وهبة في محافظة الدقهليةعام 1925، ونشأ في بيئة ريفية بسيطة شكّلت وعيه الأول بالحياة والناس، فانعكس ذلك لاحقًا في أعماله الأدبية التي مزجت بين الواقعية والرمزية. التحق بكلية الشرطة وتخرج فيها عام 1949، ثم حصل على ليسانس الحقوق، غير أن اهتمامه الحقيقي كان بالأدب والمسرح والفكر، فاختار طريق الثقافة والفن ليعبّر عن رؤيته للإنسان والمجتمع، وليصبح واحدًا من أبرز الأسماء في تاريخ المسرح المصري الحديث.
بدأت مسيرته الأدبية في الخمسينيات، حين كتب مقالات نقدية وأعمالًا مسرحية تناولت قضايا اجتماعية وسياسية بجرأة وعمق. كان يؤمن بأن المسرح ليس مجرد ترف فني، بل وسيلة لتنوير الناس وكشف التناقضات التي يعيشها المجتمع. جاءت مسرحيته الأولى المحروسة لتعلن عن موهبته الخاصة في تقديم الواقع المصري بلغة فنية راقية، ثم تتابعت أعماله التي كشفت عن التزامه بقضايا الوطن والحرية والعدالة.
في مسرحيته كفر البطيخ تناول الصراع بين الفساد والضمير، وفي سكة السلامة قدم رموزًا تمثل فئات المجتمع المصري داخل حافلة متجهة نحو المجهول، ليصوغ من هذا الموقف البسيط رؤية فلسفية عن الحياة والبحث عن الخلاص. أما في السبنسة والناس اللي في التالت فقد كشف ببراعة عن مأساة الإنسان المقهور وسط التحولات الاجتماعية والسياسية في مصر. امتاز أسلوبه بالقدرة على المزج بين الواقعية والنقد الاجتماعي، وبين السخرية المرّة والتأمل الفلسفي، مما جعل أعماله قريبة من الناس ومعبّرة عن وجدانهم.
لم يقتصر إبداع سعد الدين وهبة على المسرح، بل كتب أيضًا للسينما، فشارك في كتابة عدد من الأفلام التي أصبحت من كلاسيكيات السينما المصرية، مثل الحرام والزوجة الثانية والكرنك، حيث أظهر حسًا إنسانيًا عميقًا في رسم الشخصيات والصراعات الاجتماعية. كان يمتلك قدرة فريدة على تحويل المواقف البسيطة إلى دراما مليئة بالدلالات، مؤمنًا بأن الفن الحقيقي هو الذي ينطلق من الواقع ليصل إلى الإنسان في أعمق معانيه.
شغل وهبة خلال حياته مناصب ثقافية مهمة، فكان رئيسًا للمسرح القومي، ثم تولى أمانة المجلس الأعلى للثقافة، وأسهم في تطوير الحركة المسرحية وتنشيط الحياة الثقافية في مصر والوطن العربي. كما كان له دور بارز في المهرجانات الفنية، إذ تولى رئاسة مهرجان القاهرة السينمائي الدولي لعدة دورات، وساهم في جعله واحدًا من أهم المهرجانات السينمائية في المنطقة. كان إداريًا مثقفًا يدرك قيمة الفن بوصفه قوة ناعمة تؤثر في وعي الشعوب وتساهم في نهضتها.
امتازت شخصية سعد الدين وهبة بالصرامة الفكرية والنزاهة الأخلاقية، وكان دائم الدفاع عن حرية الإبداع وكرامة الفنان. لم يسعَ إلى الشهرة بقدر ما سعى إلى أن يكون الفن أداة للتغيير والارتقاء بالوجدان العام. ورغم ما واجهه من صعوبات، ظل مخلصًا لفنه ومبادئه حتى وفاته عام 1997، بعد أن ترك إرثًا مسرحيًا وسينمائيًا كبيرًا يعبّر عن مرحلة مهمة في تاريخ الثقافة المصرية.
بقي اسم سعد الدين وهبة حاضرًا في الذاكرة الثقافية بوصفه نموذجًا للأديب المثقف الذي جمع بين الفكر والإبداع، وبين الفن والالتزام الوطني. مثّلت أعماله مرآة للمجتمع المصري في تحوّلاته، وشهادة صادقة على وعي جيلٍ آمن بأن الكلمة يمكن أن تكون طريقًا إلى الحرية، وأن المسرح يمكن أن يكون صوت الشعب وضميره الحي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى