” سيادة الاعماق ” كيف تعيد طوكيو تعريف موقعها العالمي

كتبت / دعاء هزاع الجابري
في زمن أصبحت فيه المعادن أكثر حسما من الجيوش وأشد تأثيرا من الخطابات السياسية ، برز اكتشاف ” اليابان ” لرواسب هائلة من المعادن الأرضية النادرة بوصفه حدثا لا يخص الاقتصاد وحده بل يعيد رسم خرائط القوة في القرن الحادي والعشرين ، ففي عام 2018 أعلن باحثون يابانيون عن اكتشاف كميات ضخمة من العناصر الأرضية النادرة في قاع المحيط قرب جزيرة ” ميناميتوريشيما ” الواقعة في أقصى الشرق الياباني ، أن هذا الاكتشاف الذي قدرت احتياطاته بملايين الأطنان لم يكن مجرد خبر علمي عابر بل إشارة مبكرة إلى تحول ” جيواقتصادي ” عميق في منطقة المحيط الهادئ
فالمعادن الأرضية النادرة مثل ” النيوديميوم ، الديسبروسيوم ، والتيربيوم ” ليست نادرة بالمعنى الجيولوجي البحت ، لكنها نادرة من حيث صعوبة استخراجها وتنقيتها ، وهي تدخل في صناعة كل ما يشكل روح العصر من الهواتف الذكية وبطاريات السيارات الكهربائية وتوربينات الرياح الى أنظمة التوجيه الدقيقة وحتى الصناعات الدفاعية المتقدمة ، ولسنوات طويلة كانت ” الصين ” اللاعب المهيمن على هذا القطاع ، إذ تسيطر على نسبة كبيرة من الإنتاج العالمي وسلاسل التكرير وقد منح هذا الاحتكار بكين نفوذا اقتصاديا وسياسيا واسعا ، خاصة في ظل تصاعد التنافس مع الولايات المتحدة
غير ان اليابان التي تفتقر تقليديا إلى الموارد الطبيعية قد بنت نهضتها على استيراد المواد الخام وتحويلها إلى منتجات صناعية فائقة الجودة ، لكن هذا الاعتماد جعلها عرضة للضغوط كما حدث في عام 2010 حين تصاعد التوتر بينها وبين الصين وتعرضت إمدادات المعادن النادرة لقيود مؤقتة ، لذلك فإن اكتشاف ” ميناميتوريشيما ” لم يكن فقط تعويضا ماديا بل تحررا استراتيجيا ، إنه انتقال من موقع المتلقي إلى موقع الشريك الندي في معادلة الموارد العالمية ، فامتلاك احتياطي طويل الأمد يعني قدرة أكبر على التخطيط الصناعي واستقرارا في سلاسل الإمداد وموقعا تفاوضيا أقوى في التحالفات الدولية
ففي عالم تتسارع فيه سباقات الطاقة النظيفة والتحول الرقمي ، أصبحت مسألة تأمين المعادن النادرة أولوية أمن قومي لدى دول عدة على رأسها ” الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي ” وهنا تتقاطع مصالح اليابان مع حلفائها الغربيين ، فقدرة طوكيو على تطوير هذه الموارد ستفتح الباب أمام شراكات استراتيجية في إطار تحالفات مثل الرباعية الأمنية ” كواد ” التي تضم ” اليابان والولايات المتحدة والهند وأستراليا ” فالمعادن اليوم لم تعد سلعة فحسب بل عنصر توازن في مواجهة الاحتكار وضمانة لاستقلال القرار الصناعي والتكنولوجي ، غير أن رغم ذلك فأن الصورة ليست مثالية بالكامل ، فستخراج المعادن من أعماق البحار يثير تساؤلات بيئية عميقة ، فالقاع البحري ليس فراغا جيولوجيا بل نظام بيئي معقد لم يفهم بعد بشكل كامل ، ومن ذلك تواجه اليابان اختبارا مزدوجا في كيف توفق بين طموحها الصناعي ومسؤوليتها البيئية ، حيث سيكون مستقبل هذا الاكتشاف مرهونا بقدرة طوكيو على تطوير تقنيات استخراج أقل ضررا في أن تقدم نموذجا جديدا في استغلال الموارد يختلف عن النماذج التقليدية التي استنزفت الأرض وأرهقت المناخ
أن هذا الحدث يكشف عن تحول أعمق في اننا نعيش زمن ” جيولوجيا السياسة ” حيث تتحول طبقات الأرض إلى أوراق ضغط وتصبح الجغرافيا البحرية مسرحا للمنافسة الهادئة بين القوى الكبرى ، فاليابان الدولة التي عرفت بانضباطها الصناعي ودقتها التقنية تجد نفسها اليوم أمام فرصة تاريخية إن أحسنت استثمار هذا الاكتشاف، فسيعيد ذلك تعريف موقعها في النظام الدولي لا كقوة اقتصادية فحسب بل كمركز توازن في سوق الموارد الاستراتيجية ، ففي عالم تتشابك فيه التكنولوجيا اليوم مع السيادة والطاقة مع الأمن ، فالمعارك القادمة ليست عسكرية أو أيديولوجية فقط بل ستضاف اليها المعارك ” المعدنية الصامتة ” ، معارك عميقة وممتدة في قاع المحيط حيث بدأت اليابان تكتب فصلا جديدا من تاريخها به .



