في ذكرى رحيله.. محمد سعيد باشا “حاكم التناقضات” وصاحب امتياز قناة السويس الذي غير وجه التاريخ

بقلم: محمد عبد اللطيف بدوي
تمر اليوم، الأحد 18 يناير 2026، ذكرى رحيل رابع ولاة أسرة محمد علي باشا، الوالي محمد سعيد باشا (1822–1863)، الذي فارق الحياة في مثل هذا اليوم قبل 163 عاماً. رحل سعيد باشا تاركاً وراءه حقبة وصفت بأنها “محطة إشكالية”، تداخلت فيها النوايا الإصلاحية مع قرارات فتحت الباب على مصراعيه للنفوذ الأجنبي في مصر.
ثقافة فرنسية وطباع لينة
تلقى محمد سعيد تعليماً أوروبياً وتأثر بشكل كبير بالثقافة الفرنسية، وهو ما انعكس على شخصيته التي اتسمت بالتسامح واللين، على عكس القبضة الحديدية التي حكم بها جده محمد علي باشا. هذا الطبع، وإن كان محموداً إنسانياً، إلا أنه اعتبر في العرف السياسي آنذاك نقطة ضعف أدت إلى تزايد التدخلات الأوروبية في شؤون البلاد.
امتياز القناة.. الحلم الذي أرهق الدولة
يظل اسم محمد سعيد باشا مقترناً بحدث هو الأهم في تاريخ مصر الحديث؛ وهو منح صديقه الفرنسي فرديناند ديليسبس امتياز حفر قناة السويس عام 1854. ورغم العظمة الاستراتيجية للمشروع التي تجنيها مصر والعالم اليوم، إلا أن شروط الامتياز في عهده كانت “مجحفة”، حيث أرهقت الخزانة المصرية وأسست لبداية التغلغل الأجنبي الذي عانت منه البلاد لعقود طويلة.
تحرير التجارة وأوضاع الفلاحين
شهد عهده تحولات اقتصادية كبرى، كان أبرزها إلغاء “نظام الاحتكار”، وهو ما أدى لتحرير التجارة ولكنه أضعف موارد الدولة المالية وجعلها تلجأ للاقتراض الخارجي. وفي المقابل، يُحسب له محاولاته الجادة لتحسين أحوال الفلاح المصري وتخفيف الأعباء والضرائب المفروضة عليه، سعياً منه لرفع الظلم عن الطبقات الكادحة.
نهاية عهد وبداية أزمة
توفي محمد سعيد باشا عام 1863 قبل أن يرى القناة واقعاً ملموساً، وسلم الراية للخديوي إسماعيل الذي ورث تركة مثقلة بالديون والتعقيدات السياسية. ويظل عهد سعيد باشا درساً تاريخياً يؤكد أن “حسن النوايا” في إدارة الدول لا يكفي وحده دون رؤية إدارية حازمة تحمي المصالح القومية من الأطماع الخارجية.



