ثقل التجربة وضياء النفس ” رحلة في اعماق الذات “

كتبت / دعاء هزاع الجابري
في هدوء الليل ، حين تنحسر ضوضاء الحياة ، وتستكين الروح إلى ذاتها
يدرك الإنسان أن صقل الذات ليس منحة تأتي من الخارج ، ولا لحظة عابرة تبهج القلب ، بل هو رحلة طويلة من التأمل والاحتكاك بالتجارب ، تتراكم فيها الخبرات ، وتترسخ فيها الحكمة ، حتى يغدو الداخل أكثر نقاء واتزانا والحضور أكثر ثباتا والوجدان أكثر قربا من حقيقة النفس ، فكل خطوة مهما كانت صغيرة هي لبنة في بناء الإنسان ، وكل عثرة هي درس يرسم خارطة الطريق نحو اكتماله ، فما الحياة وإن تزينت بزخارفها إلا مسيرة موغلة في العمق ، تتوالى فصولها كما تتوالى المدود على ساحل لا يعرف السكون ، وفي ثنايا هذه المسيرة تشحذ الأرواح كما تشحذ السيوف ، وتصاغ النفوس على مهل كما تصاغ أواني الذهب في أيدي الصناع الماهرين ، فلا يزداد المرء إلا نقاء بعد نقاء ، ولا ترتقي نفسه إلا بمرور ليل يتلوه فجر ، وتجربة تعقبها حكمة ، وانكسار يليه اعتدال
ومن هذا المقام ، تتقدم حقيقة لا يدركها إلا من خبر الأيام خبر العارفين وهي :
أن صقل الذات ليس حادثة تقتنص ولا ثمرة تجنى في ساعة بل هو مد طويل من التربية على منهاج محكم ومعايير لا تتبدل ، ومسار لا يفتح فيه باب العودة بعد أن يخطو المرء خطواته الأولى نحوه بعقل قد نضج قبل أن يكتمل شبابه ، وروح اتسعت حتى جاوزت أفق العمر ، وأوتاد خبرات غرستها الأعوام في تربة المرء حتى اشتد عوده ، وارتفعت راية فخره لما كان عليه وما صار إليه
إن صقل الروح هذا إنما هو صنعة العمر التي لا تنال بضربة واحدة ، ولا يستجلب فضلها برغبة عابرة ، بل يكتسب باجتهاد صامت وسعي متخف لا يطلب شاهدا ولا ينتظر ثناء ، فالأفعال فيه شاهدة والحياة له كاتبة ، وما تقوله التجربة أبلغ مما تنطق به الألسنة ، وما أعظمها من منزلة حين يغدو الإنسان غنيا بفعل يرفعه ، لا ب ” أنا ” خاوية تدعي ما لا تستحق
فصقل الذات في جوهره حرفة لا يحسنها إلا من تربت نفسه على صعوبة الدرب من بكور عهد الصبا ، فلا يتقنها المستعجل ، ولا يعرف سرها المتهاون ولا يثبت فيها من كان قلبه هشا أمام أول ريح ، إنها صناعة الأخلاق ، وتربية الإرادة وتهذيب النظرة إلى الحياة ، حتى يصير المرء كمن يغترف من بئر الحكمة كلما ضاقت عليه اللحظة ، فيخرج منها أثبت وأوعى ومن ذلك للأيام وهي تمضي أسرار لا تفشيها إلا لمن وقف على أبوابها بصبر المتأملين ، فتبني في داخله مساحات من السكينة لا تنالها يد الزمان ، وتنسج من التجارب ثوبا من الاتزان لا يشق ، فالعالم الخارجي مهما علت جلبته ، يبقى أضعف من أن يزلزل تلك الأعماق التي صقلتها المعاناة وغذاها التأمل وثبتها النضج ، وليس المراد من هذا المسار أن يخرج الإنسان كاملا ، فالكمال شأن غير البشر ، بل أن يبلغ صفاء يليق بما بذله من جهد ، وأن يصبح أقرب إلى صورته التي أرادها الله له وهي ” صورة لا تصنع بالتزين بل تصاغ بالصدق ، ولا تقتنى بالضجيج بل تبنى بالثبات ، ولا يشيعها الكلام بل يثبتها العمل ” ، الى ان يلتفت صاحب هذه الرحلة إلى ما وراءه ، فيرى أن الطريق نفسه كان المربي الأعظم له ، وأن كل خطوة مهما بدت يسيرة كانت لبنة في بنيان نفسه ، وأن كل سقطة لم تكن إلا سلما يرتفع به إلى فهم اسمى وصبر أرقى واعتدال أشد رسوخا ، يرى أن ما حسبه يوما ثقلا كان في الحقيقة كنزا من المعرفة ، لا يعرف قدره إلا حين تتفتح بصيرة القلب
ان صقل الذات في ذروته هو مجمع من الفنون المحبة لبعضها والمتجسده من خلال بعضها من ” فن الصبر ، وفن الحكمة ، وفن معرفة المرء بقيمته بعيدا عن صخب العالم ” ، وهو الهدف الأسمى الذي لا يناله إلا من ذاق عناء الطريق فاستحق اوج الوصول ، هو رحلة نبدأها لا لنري العالم من نكون بل لنرى نحن أنفسنا من أصبحنا ، فنغدو معه شعرا كتب لاعمارنا دون أن نعلم ، وقصيدة لم تصغى سوى بقلوب أدركت سر تشكلها .



