مصر… الشكر الذي لا يُقال بالكلمات بل يُكتب بالفعل الفلسطيني الصادق

مصر… الشكر الذي لا يُقال بالكلمات بل يُكتب بالفعل الفلسطيني الصادق
كتب: إبراهيم رمضان الهمامـــي ـ الأحد
4 جمادي الأولى 1447هـ ـ 26 أكتوبر 2025 م
في زمنٍ تتقاطع فيه المصالح وتتشابك فيه الأجندات وتضيع فيه البوصلة، تبقى مصر وحدها – بعبق تاريخها وثقلها العربي – هي السند الحقيقي للقضية الفلسطينية. ليست وسيطًا عابرًا ولا راعيًا بروتوكوليًا، بل شريكًا أصيلًا في الوجع والمصير، تتحمل ما لا تتحمله دول، وتُصرّ على أن تكون البوصلة دائمًا نحو فلسطين، مهما تبدلت المواقف أو تبددت الثقة.
ولأن المواقف تُقاس بالأفعال لا بالشعارات، فقد أثبتت مصر في كل المنعطفات التاريخية أن القضية الفلسطينية ليست ملفًا سياسيًا ضمن أولوياتها، بل جزء من عقيدتها الوطنية والعربية. فمنذ عقودٍ طويلة، لم تغب مصر عن فلسطين يومًا، ولم تغب فلسطين عن قلب مصر يومًا، بل كان الجرح واحدًا، والمصير مشتركًا، والهدف واحدًا: أن يبقى الأمل قائمًا في وطنٍ حرٍ ومستقلٍ يجمع الفلسطينيين تحت رايته لا تحت راياتٍ متنازعة.
وفي الأيام الماضية، عندما جمعت القاهرة الفصائل الفلسطينية تحت سقف واحد للحوار الوطني، كان ذلك امتدادًا طبيعيًا لدورها التاريخي في ترميم الصف الفلسطيني وإحياء روح الوحدة، وهو دور لم يكن سهلًا ولا خاليًا من التحديات. لقد كان من الطبيعي أن تشكر الفصائل مصر على جهودها، وأن تُعرب عن تقديرها لدورها في دعم القضية، لكن الشكر اللفظي مهما كان جميلًا لا يوازي ما تنتظره مصر من أفعالٍ على الأرض.
إن الشكر الحقيقي لمصر اليوم لا يُقال بالعبارات ولا يُترجم بالبيانات، بل يُكتب في التاريخ عندما تُطوى صفحة الانقسام الفلسطيني الطويلة، وعندما تنتصر المصلحة الوطنية على الحسابات الحزبية الضيقة، وعندما يدرك الجميع أن اللحظة الراهنة هي لحظة مصالحة الضرورة، وليست مجرد خيارٍ سياسيٍ مؤجلٍ إلى إشعارٍ آخر.
“مصالحة الضرورة” تعني أن يدرك الفلسطينيون أن وطنهم في خطر، وأن تأجيل الوحدة هو تأجيل للنجاة. إنها تعني الارتقاء فوق الجراح القديمة، ودفن لغة الاتهام، وإحلال منطق المسؤولية محل منطق الخصومة. لا مجال الآن للبحث عن من أخطأ أو من تَسبب، بل عن من سيتحمل مسؤولية إنقاذ ما تبقى من الحلم الفلسطيني.
إنها مصالحة لا تقوم على العتاب أو المحاسبة، بل على الوعي التاريخي بأن ما يجمع الفلسطينيين أعظم مما يفرقهم، وأن دماء الشهداء لا تفرق بين فصيلٍ وآخر، وأن العدو الذي يهدد الجميع لا يفرّق بين رايةٍ وأخرى.
إن ما تمر به القضية الفلسطينية اليوم يتجاوز حدود الخلافات السياسية ويقترب من حدود الوجود ذاته. فالمشروع الوطني الفلسطيني يواجه أخطر مراحله منذ عقود، في ظل تصاعد سياسات الضم والتهجير في غزة والضفة والقدس، ومحاولات طمس الهوية الفلسطينية في الداخل والخارج. وهنا، لا تكون المصالحة مجرد مطلبٍ سياسي، بل واجبًا وطنيًا مقدسًا.
البيان الختامي للفصائل التي اجتمعت في القاهرة كان واضحًا حين تحدث عن ضرورة الموقف الموحد والرؤية السياسية المشتركة التي تقوم على وحدة الكلمة والمصير، ورفض كل أشكال التهجير القسري، وتفعيل منظمة التحرير الفلسطينية باعتبارها الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني.
لكن البيانات مهما كانت قوية لن تصنع التاريخ ما لم تتحول إلى فعلٍ حقيقي.
إن ما تنتظره مصر ليس تعهداتٍ جديدة، بل التزامًا فعليًا صادقًا بما تم الاتفاق عليه، وإيمانًا بأن الطريق نحو النصر يبدأ من الداخل، لا من الخارج. فالقاهرة التي تحمل على كتفيها عبء الوساطة والتاريخ، لا تبحث عن مجدٍ سياسي أو مكسبٍ إعلامي، بل تبحث عن لحظة صدقٍ فلسطينية ترى فيها ثمرة تعبها الطويل.
إنها تريد أن ترى الفلسطينيين مصطفين في خندقٍ واحد، يحاربون من أجل وطنٍ واحد، لا يتبادلون الاتهامات ولا يكررون الخطايا ذاتها التي أهدرت فرصًا كثيرة للسلام والكرامة والاستقلال.
لقد أثبتت مصر في كل لحظة حرجة أنها الأم الحاضنة لفلسطين، صوتها الدبلوماسي في المحافل، وسندها في الشدائد، ومأواها حين تضيق بها السبل. ورغم كل الإحباطات، لم تتخلّ مصر يومًا عن إيمانها بأن الوحدة الفلسطينية ممكنة، وأنه لا يمكن للقضية أن تنتصر ما دامت ممزقة.
إن القاهرة التي تحمل إرث ناصر وصوت أكتوبر ومواقف التاريخ، ما زالت تفتح أبوابها لإخوةٍ اختلفوا أكثر مما اتفقوا، لكنها لا تزال تراهن على وعيهم، وتثق أن ساعة الفهم قادمة لا محالة، لأن فلسطين لا تحتمل مزيدًا من الانقسام ولا مزيدًا من الدماء.
ولذلك، فإن الشكر الحقيقي لمصر لن يكون في مؤتمرٍ ولا في خطاب، بل في لحظة يصافح فيها الفلسطيني الفلسطيني بلا وسيط، ويقرر فيها الجميع أن الانقسام انتهى إلى غير رجعة.
تلك اللحظة وحدها ستكون الرسالة التي تنتظرها القاهرة منذ سنوات، رسالة تقول للعالم: إن فلسطين لم تعد منقسمة، وإن مصر لم تتعب عبثًا.
إن الشكر الذي يليق بمصر هو شكرٌ يُكتب على الأرض، في وحدة الصف، في صدق الموقف، في احترام التضحيات، وفي بناء رؤية وطنية تُعيد الاعتبار للقضية.
ذلك هو الشكر الذي يليق بتاريخ مصر ودورها ومكانتها، الشكر الذي يُرى في الميدان لا يُسمع في الخطب، الشكر الذي يصنع مستقبلًا لا يكرّر مآسي الماضي.
فلتكن المصالحة الفلسطينية هي كلمة الشكر الأصدق والأبقى لمصر، ولتكن صفحةً جديدة تُطوى فيها الخلافات، وتُفتح فيها بوابات الأمل من جديد.
حينها فقط، ستبتسم مصر كما لم تبتسم من قبل، لأنها سترى أن رسالتها وصلت، وأن الشكر الذي تنتظره لم يُقال… بل تحقق فعلاً.



