بين الدهاء والشجاعة.. كيف صنع عمرو بن العاص تاريخ مصر

كتبت/ دعاء علي ـ ٢٩ أكتوبر ٢٠٢٥
سيدنا عمرو بن العاص رضي الله عنه، لم يكن مجرد قائد عسكري فحسب، بل كان عقلًا سياسيًا فذًّا جمع بين الشجاعة والدهاء، فاستطاع أن يكتب اسمه في التاريخ الإسلامي بحروف من نور. لم يدخل معركة ليحصد مجدًا، بل كان يسعى دومًا لأن يرفع راية الإسلام بالعقل قبل السيف، وبالحكمة قبل القوة.
هو عمرو بن العاص بن وائل السهمي القرشي، من بيوت مكة العريقة، وُلد قبل الهجرة بما يقارب نصف قرن، أي كان في الأربعينيات من عمره حين أسلم. أسلم على يد سيدنا أبي بكر الصديق رضي الله عنه قبل فتح مكة بمدة قصيرة، وكان إسلامه نقطة تحوّل كبرى في شخصيته؛ إذ تحوّل من أحد دهاة العرب في الجاهلية إلى أحد أذكى قادة الإسلام.
عُرف عنه أنه كان من “دُهاة العرب الأربعة”، إلى جانب معاوية بن أبي سفيان، والمغيرة بن شعبة، وزياد بن أبيه. امتلك بصيرة نادرة وقدرة على قراءة المواقف بذكاء مدهش.
إسلامه ودوره في الدعوة:
بعد أن أعلن إسلامه، قال عنه النبي ﷺ: “أسلم الناس وآمن عمرو بن العاص”، إشارة إلى أن إسلامه كان عن قناعة ويقين لا عن تقليد أو مجاملة.
شارك في غزوة ذات السلاسل التي أرسله النبي ﷺ لقيادتها، وهناك برز ذكاؤه في جمع القبائل وتأمين الإمدادات رغم قلة الموارد. ومنذ تلك اللحظة، أدركت القيادة الإسلامية أن هذا الرجل ليس مقاتلًا عاديًا، بل رجل فكرٍ وتخطيطٍ بعيد المدى.
كيف صنع عمرو بن العاص تاريخ مصر:
حين قرر الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه فتح مصر، كان عمرو في نحو الخمسين من عمره، ناضج الفكر، مجرَّب في الميدان، صاحب رؤية سياسية ثاقبة.
كانت مصر آنذاك تحت حكم الرومان، وقد أنهكتهم الحروب، وكره الأقباط ظلم حكّامهم، لكنهم خافوا من المجهول.
وهنا ظهر ذكاء عمرو بن العاص الحقيقي.
بدأ الفتح في سنة ٢٠ هـ (٦٤٠م) بجيش لا يتجاوز ٤ آلاف مقاتل فقط، رقم ضئيل إذا قورن بجيوش الروم الضخمة. لكنه لم يعتمد على العدد، بل على الخطة.
تحرك بخفة من فلسطين إلى العريش ثم إلى الفرما، ففتحها بعد قتال قصير، ثم واصل الزحف إلى بلبيس، حيث واجه مقاومة شديدة، فحاصرها شهرًا حتى فتحها.. لكن المعركة الكبرى كانت عند حصن بابليون (بالقرب من القاهرة حاليًا).
هنا استخدم دهاءه بأعلى صوره؛ قطع طرق الإمداد، استخدم الليل للتحرك وتغيير المواقع، أرسل رسائل للأقباط يطمئنهم أنه جاء ليحررهم من ظلم الرومان لا ليستعبدهم، فبدأت القبائل المصرية تميل إليه.
ثم جاءه الدعم من الخليفة عمر بن الخطاب، بجيش بقيادة الزبير بن العوام رضي الله عنه، فاشتد الحصار حتى تم فتح الحصن بعد قتال دام سبعة أشهر كاملة.
وبعدها دخل عمرو بن العاص الإسكندرية، آخر معاقل الروم في مصر، فصالحهم على الجزية وأمّن أهلها، وبهذا اكتمل فتح مصر في سنة ٢١ هـ، دون تدمير ولا خراب، بل بعد مفاوضات حكيمة جنّبت البلاد سفك الدماء.
دهاؤه وشجاعته في الميدان والسياسة:
في الحصار.. كان يتنقل بين الجنود ليلًا، يسمع مخاوفهم ويطمئنهم، ويقول لهم: “نحن لا نحارب مصر، بل نحارب ظلمًا فيها”.
في المفاوضات.. حين طلب الروم الصلح، اشترط عليهم عمرو أن يبقوا في الأمان مقابل ألا يُظلم أحد من أهل مصر، فقبلوا، فكان بذلك أول من أسس قاعدة “الأمان مقابل العدل”.
في الإدارة.. بعد الفتح، أسس مدينة الفسطاط كعاصمة جديدة لمصر الإسلامية، لتكون مركز الحكم والتجارة، وهي أول مدينة إسلامية تُبنى في قارة إفريقيا.
إنجازاته ودوره في الدولة:
أسس نظامًا إداريًا متطورًا في مصر، ففصل بين القضاء والإدارة.
– أقام بيت المال، ونظم جمع الجزية والزكاة دون ظلم.
– ترك أثرًا عظيمًا في نشر الإسلام في النوبة والسودان، وبنى المساجد، وعلى رأسها جامع عمرو بن العاص أول مسجد في إفريقيا.
وختامًا:
سيدنا عمرو بن العاص رضي الله عنه لم يصنع تاريخ مصر بالسيف فقط، بل بالعقل، والحكمة، والبصيرة.
فتحها وهو في الخمسين من عمره، لا يطلب غنيمة ولا جاهًا، بل نصرة لدين الله.
علمنا أن الشجاعة بلا دهاء تهور، وأن الدهاء بلا عدل خديعة، أما حين يجتمعان في رجل واحد، فذاك من يصنع التاريخ.




