وثائق وحكايات

حنين زعبي.. من عرب 48 إلى الكـنيـ..ـست

كتبت/ دعاء علي ٢٩ أكتوبر ٢٠٢٥

 

في مشهدٍ سياسيٍّ معقد، يندر أن يعلو فيه الصوت العربي داخل مؤسساتٍ تُبنى على الإقصاء، برزت حنين زُعبي كصوتٍ مختلف.. لم تهادن، ولم تصمت، بل اختارت أن تواجه التيار من قلب الكنيست الإسرائيلي، لتصبح رمزًا للمرأة العربية التي واجهت النظام من داخله دون أن تتنازل عن هويتها.

 

النشأة والانتماء:

وُلدت حنين زُعبي في 23 مايو 1969 بمدينة الناصرة، داخل الأراضي الفلسطينية التي أصبحت تحت السيطرة الإسرائيلية عام 1948.

تنتمي إلى ما يُعرف بـ عرب 48، وهم الفلسطينيون الذين بقوا في أرضهم بعد قيام دولة إسرائيل، وحصلوا لاحقًا على الجنسية الإسرائيلية مع احتفاظهم بهويتهم العربية الفلسطينية.

درست زُعبي علم النفس والفلسفة في جامعة حيفا، ثم نالت ماجستيرًا في الإعلام من الجامعة العبرية في القدس، لتبدأ رحلة وعيٍ سياسي وثقافي متميزة، كان عنوانها الدائم.. “الانتماء والكرامة”.

 

منبر الكنيست وصوت المختلفين:

دخلت حنين الحياة السياسية عبر الحزب العربي “التجمّع الوطني الديمقراطي”، الذي رفع شعار المواطنة الكاملة والمساواة المدنية.

وفي عام 2009، أصبحت أول امرأة عربية تفوز بمقعد في الكنيست الإسرائيلي عن قائمة عربية مستقلة بالكامل.

منذ دخولها البرلمان، عُرفت بمواقفها الجريئة ورفضها ترديد النشيد الوطني الإسرائيلي، مؤكدة أنه لا يمثلها ولا يمثل الفلسطينيين داخل إسرائيل.

كانت صوتًا حادًّا في مواجهة السياسات التمييزية، ودافعت عن حق العرب في المساواة والتمثيل الحقيقي داخل دولة تعتبر نفسها “يهودية” الطابع.

 

أسطول الحرية وموجة الجدل:

في عام 2010، شاركت زعبي في أسطول الحرية (مرمرة) -القافلة البحرية التي هدفت إلى كسر الحصار عن غزة-.

خلال الرحلة، اندلعت مواجهة دامية بين القوات الإسرائيلية والنشطاء، وأثارت الحادثة أزمة دولية واسعة.

وجودها على متن السفينة جعلها في بؤرة الضوء والانتقادات معًا؛ فالبعض اعتبرها رمزًا للموقف الإنساني الجريء، بينما رأى آخرون أنها تجاوزت “الخطوط السياسية التقليدية”.

 

التحقيقات والضغوط السياسية:

بعد مشاركتها في الأسطول، خضعت زعبي لتحقيقات برلمانية وأمنية متكررة، وواجهت اتهامات بـ “التحريض” بسبب مواقفها السياسية.

وفي بعض الفترات، مُنعت من الترشح أو المشاركة في جلسات الكنيست، قبل أن تُعاد إليها العضوية لاحقًا بقرارات قضائية.

ورغم تلك الضغوط، لم تتراجع عن مواقفها، مؤكدة أن “الحرية لا تُمنح.. بل تُنتزع بالكلمة والموقف”.

 

رؤيتها وهويتها السياسية:

تؤمن حنين زعبي بأن الفلسطينيين داخل إسرائيل (عرب 48) جزء لا يتجزأ من الشعب الفلسطيني، وأنهم يعيشون تجربة فريدة تتطلب صمودًا مزدوجًا بين الحفاظ على الهوية والمطالبة بالحقوق.

رفضت تعريف الدولة على أساس ديني أو عرقي، ورأت أن “العدالة والمساواة هما الطريق الحقيقي للاستقرار والتعايش”.

ومن أبرز مطالبها.. المساواة في التعليم والعمل، ووقف سياسات مصادرة الأراضي، والاعتراف الكامل بالقرى العربية غير المعترف بها داخل إسرائيل.

 

بعد الكنيست:

منذ خروجها من الكنيست عام 2019، قلّ ظهورها الإعلامي لكنها ما زالت ناشطة سياسيًا وفكريًا.

تعيش في مدينة الناصرة، وتشارك في المؤتمرات والندوات التي تناقش قضايا الهوية الفلسطينية وحقوق المواطنين العرب داخل إسرائيل.

لم تتولَّ أي منصب رسمي بعد الكنيست، لكنها تواصل الكتابة والتحليل السياسي عبر الإعلام العربي والفلسطيني، محافظةً على حضورها الفكري وإن قلّ ظهورها العلني.

 

بين الجدل والتأثير:

رغم الانتقادات والضغوط التي واجهتها، تبقى حنين زعبي واحدة من أكثر الشخصيات العربية تأثيرًا داخل الكنيست في العقود الأخيرة.

هي نموذج لامرأة عربية تمسكت بمبادئها داخل مؤسسة لا تشبهها، وآمنت بأن التمثيل السياسي ليس مجرد مقعد، بل مسؤولية أخلاقية وصوت للذين لا يُسمح لهم بالكلام.

 

وختامًا: في مشهدٍ سياسيٍّ شديد التعقيد، تبقى حنين زعبي مثالًا على الجرأة في التعبير عن الموقف المختلف، مهما كانت كلفته.

قد تختلف الآراء حولها، لكنّ الثابت أنّها أحدثت نقلة في حضور الصوت العربي داخل الكنيست، وفرضت وجود المرأة الفلسطينية في ساحة طالما احتكرها الرجال والسياسيون المتشابهون.

إنها نموذج لمن اختارت أن تتكلم بدل أن تصمت، وأن تمثّل قضيّتها كما تراها، مهما كانت العواصف من حولها.

محمد ابراهيم

تحيا_مــ𓁳_𓆃ـصــ𓅮ـر _𝕰𝖌𝖞𝖕𝖙𓁳𓄿𓅓

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى