إسرائيل: قراراتنا لا تحتاج موافقة أحد

كتب: إبراهيم الهمامـــي ـ 30 أكتوبر 2025
في الآونة الأخيرة بدأت تتردد في المشهد السياسي الإسرائيلي عبارات تحمل مضمونًا متكررًا ومقصودًا، تصدر عن كبار المسؤولين والساسة في حكومة الاحتلال، وإن اختلفت في الألفاظ فإنها تتطابق في الجوهر، إذ تعلن إسرائيل بصوت عالٍ أنها دولة مستقلة ذات سيادة كاملة، حرة في قراراتها، ولا تسمح لأي طرف خارجي بفرض إملاءاته عليها، وأنها وحدها صاحبة القرار في شؤونها الداخلية والخارجية، خصوصًا تلك المتعلقة بأمنها القومي وحروبها الإقليمية.
وقد كرر رئيس الوزراء نيتانياهو هذه المعاني في أكثر من مناسبة، بينما جاء الصوت الأعلى والأكثر تحديًا من وزير الأمن القومي المتطرف إيتمار بن غفير الذي اعتاد إطلاق التصريحات النارية ليؤكد أن إسرائيل لا تسعى لموافقة أحد، ولا تخضع لأي وصاية مهما كانت الجهة أو الحليف.
هذه التصريحات التي يحاول البعض تفسيرها نفسيًا، تحمل في الواقع دلالات سياسية واضحة تعكس حجم التوتر داخل العلاقة بين تل أبيب وواشنطن، إذ جاءت في سياق خلافات حادة بين الحكومة الإسرائيلية والإدارة الأمريكية برئاسة دونالد ترامب، الذي وإن كان معروفًا تاريخيًا بدعمه المطلق لإسرائيل، إلا أن سياساته الأخيرة لم ترق لقيادتها، فكانت ردود الأفعال الإسرائيلية متشنجة ومليئة بالتحدي.
ويبدو أن الشرارة الأولى لهذا التوتر كانت حين اعترض ترامب على قرار الكنيست الإسرائيلي بضم الضفة الغربية، وأعلن رفضه القاطع لذلك الإجراء الذي رآه تصعيدًا غير محسوب. هذا الموقف الأمريكي أغضب بن غفير وأثار حفيظته، فاندفع مهاجمًا ترامب في تصريحات علنية اتخذت طابع التمرد السياسي، مؤكدًا أن إسرائيل لا تنتظر ضوءًا أخضر من أحد لتقرير مصيرها.
لم يتوقف الخلاف عند هذا الحد، بل اتسع نطاقه بعد أن أعلن ترامب تأسيس ما سماه “مركز التنسيق المدني العسكري لمراقبة وقف إطلاق النار في غزة”، وهو مركز أمريكي مقره داخل الأراضي المحتلة.
رأت فيه الأوساط الإسرائيلية محاولة رقابة غير مسبوقة على سلوك الجيش الإسرائيلي، واعتبره بعض السياسيين الإسرائيليين إهانة مباشرة، إذ يعني أن واشنطن لا تثق في التزام إسرائيل بوقف النار.
وقد صرّح عدد من النواب الإسرائيليين بأن المركز ليس سوى أداة لمراقبة إسرائيل نفسها، وليس لمراقبة الأطراف الأخرى، وهو ما فجّر موجة جديدة من الغضب في الداخل الإسرائيلي ضد إدارة ترامب.
وفي الأوساط السياسية بتل أبيب تزايدت الأصوات الناقدة للسياسة الأمريكية، التي وصفتها بأنها تدخل فجّ في الشأن الإسرائيلي، رغم أن ترامب يُعَدّ أكثر رئيس أمريكي قدم دعماً عسكرياً وسياسياً لإسرائيل عبر التاريخ. لكن المفارقة أن هذا الدعم لم يشفع له حين فرض على إسرائيل في وقت سابق وقفاً لإطلاق النار في غزة، وهو القرار الذي تحايل عليه نيتانياهو حتى تمكن من استئناف العمليات العسكرية بعد أسابيع قليلة.
غير أن الأمور لم تسر كما أراد لاحقًا، إذ جاءت أوامر ترامب الصارمة بوقف الحرب بين إسرائيل وإيران، في لحظة كانت فيها الطائرات الإسرائيلية قد أقلعت لتنفيذ هجوم واسع على طهران، فصدر الأمر الأمريكي المفاجئ بعودة الطائرات، وجاء بصيغة حادة ومهينة دفعت نيتانياهو إلى الامتثال الفوري وإلغاء العملية.
ومع ذلك لم تتوقف الضغوط الأمريكية عند هذا الحد، فقد أصدر ترامب توجيهاته الأخيرة بوقف العدوان على غزة والسماح للفلسطينيين بالعودة إلى شمال القطاع، ليجهض بذلك الخطة الإسرائيلية التي كانت تهدف إلى تهجير السكان قسرًا نحو الجنوب وإفراغ الشمال من أهله. رأت إسرائيل في هذا الموقف الأمريكي تدخلًا غير مقبول يمسّ جوهر سيادتها، ويقيد قدرتها على تنفيذ استراتيجيتها الأمنية والعسكرية في المنطقة.
ومن هنا جاءت تصريحات نيتانياهو وبن غفير وسواهما لتؤكد أن إسرائيل لا تنتظر إذنًا من أحد، ولا تتلقى أوامر حتى من أقرب حلفائها، وأن أمنها وقراراتها شأن داخلي بحت لا يحق لأي طرف المساس به.
غير أن ما يُقال في العلن لا يخفي حقيقة التناقض في السلوك الإسرائيلي، فالدولة التي تدّعي الاستقلال في القرار، هي ذاتها التي قامت على الدعم العسكري والسياسي الغربي، ولا تزال تعتمد عليه في كل تفاصيل قوتها. ورغم محاولتها إظهار التمرد، فإنها تدرك أن استمرارها مرهون بمساندة الولايات المتحدة، وأن تصريحات قادتها ليست سوى استعراض لفظي يراد به امتصاص الغضب الشعبي الداخلي وإظهار موقف القوة أمام الرأي العام الإسرائيلي الذي بدأ يفقد الثقة في حكومة نيتانياهو.
وفي النهاية، فإن ما تقوله إسرائيل عن السيادة والاستقلال ليس سوى محاولة لتغطية مأزقها السياسي والعسكري في غزة والمنطقة، ومحاولة يائسة لتأكيد دورها كقوة حرة بينما هي في الواقع تدور في فلك القوى الكبرى التي تمسك بخيوط اللعبة. فالمسألة لم تعد مجرد تصريحات نارية، بل انعكاس لأزمة عميقة يعيشها الكيان المحتل بين ما يريد أن يعلنه أمام العالم، وما يُفرض عليه من سياسات وشروط من حلفائه، في وقت بدأت فيه موازين القوة تتغير على الأرض، وبدأت معه الرواية الإسرائيلية تفقد بريقها شيئًا فشيئًا أمام الواقع الجديد.