أكثر من خمسة ملايين قصة ” ألاسلام ثاني اكبر ديانة في ألمانيا

كتبت / دعاء هزاع الجابري
في قلب ألمانيا حيث تشكلت الهوية الحديثة على أسس النظام والانضباط والعقلانية ، يتشكل مشهد اجتماعي جديد بهدوء بعيدا عن الضجيج السياسي أحيانا وبعيدا عن الصور النمطية في كثير من الأحيان ، إنه مشهد يعكس تحولا ديموغرافيا وثقافيا عميقا عنوانه الأبرز ” صعود الإسلام ” ليصبح ثاني أكبر ديانة في البلاد مع وجود أكثر من ” خمسة ملايين ” مسلم ، وعدد يواصل الازدياد عاما بعد عام ، لكن الأرقام على أهميتها لا تحكي القصة كاملة ، فوراء هذا الرقم تمتد عقود طويلة من التحولات الإنسانية ، حيث بدأت الحكاية منذ ستينيات القرن الماضي عندما فتحت ألمانيا أبوابها للعمال الضيوف القادمين من ” تركيا ” ثم تعمقت الموجات لاحقا مع قدوم مهاجرين ولاجئين من مناطق الصراع خاصة من ” سوريا والعراق وأفغانستان ” ومع مرور الزمن لم تعد هذه الجاليات مجرد عمال عابرين بل تحولت إلى أجيال ولدت وتعلمت وعملت داخل المجتمع الألماني نفسه ، لذلك اليوم لم يعد الإسلام ظاهرة مهاجرين بل جزءا من الواقع الاجتماعي الألماني
ففي شوارع برلين وفي أحياء ” كولونيا وهامبورغ ” تتجاور المساجد مع المدارس والجامعات ومراكز العمل ، فجيل جديد من المسلمين يتحدث الألمانية كلغته الأولى ويشارك في سوق العمل ويخوض غمار السياسة ويعيد تعريف معنى الانتماء في مجتمع متعدد الثقافات ، أن هذا التحول يطرح سؤالا أعمق من مجرد عدد أو نسبة وهو : كيف يتغير مفهوم الهوية عندما تصبح التعددية واقعا دائما لا حالة مؤقتة؟ ، ففي التجربة الألمانية لا يكمن التحدي في وجود الإسلام ذاته بل في كيفية إدارة التنوع داخل دولة علمانية لا تعترف بدين رسمي ، وتؤسس شرعيتها على المساواة أمام القانون ، ليصبح الاندماج هنا طريقا ذا اتجاهين ، فمن جهة يسعى المسلمون للحفاظ على هويتهم الدينية والثقافية ، ومن جهة أخرى يعمل المجتمع الألماني على توسيع مفهوم ” الألمانية ” ليشمل تنوعا لم يكن جزءا من صورته التقليدية
إن تحول الإسلام إلى ثاني أكبر ديانة لا يعني مجرد تغير ديني بل يعكس تحولا في بنية المجتمع نفسه في مجتمع يتقدم في العمر و يحتاج إلى طاقات شابة ويجد نفسه أمام واقع عالمي تتداخل فيه الثقافات والهويات ، ومع ذلك يبقى المشهد مركبا ، فإلى جانب قصص النجاح في التعليم والعمل والاندماج تستمر النقاشات حول الهجرة والهوية والأمن الثقافي ، وفي هذا التوتر بين القلق والانفتاح يتشكل المستقبل الحقيقي للتعايش ، فأهمية التجربة الألمانية تكمن في أنها تختبر سؤالا عالميا يتجاوز حدودها ب : هل يمكن لمجتمع حديث أن يحافظ على تماسكه وهو يزداد تنوعا ؟ ، ان الواقع يشير إلى أن الإجابة لا تصاغ بالقوانين وحدها بل تبنى في المدارس ، وأماكن العمل ، والأحياء المشتركة ، وفي التفاصيل اليومية الصغيرة التي يتحول فيها ” الآخر ” تدريجيا إلى جار وزميل وشريك في الحياة العامة
ففي النهاية ، قد تكون الأرقام التي تشير إلى وجود أكثر من خمسة ملايين مسلم في ألمانيا مجرد مؤشر إحصائي ، لكنها في جوهرها تعكس قصة إنسانية أكبر وهي : قصة عالم يتغير ، وحدود ثقافية تذوب ، وهويات جديدة تتشكل لا على أساس الأصل بل على أساس المشاركة في الحاضر وصناعة المستقبل ، ففي زمن تتقاطع فيه الهجرة مع العولمة لم يعد السؤال : كم عدد المسلمين في ألمانيا؟ بل أصبح السؤال الأعمق : كيف يمكن لهذا التنوع أن يتحول من تحد إلى مصدر قوة ؟ ، ومن هنا تبدأ القصة الحقيقية .
