وثائق وحكايات

رحل فى مثل هذا اليوم الكاتب الصحفى صلاح الدين حافظ

رحل فى مثل هذا اليوم الكاتب الصحفى صلاح الدين حافظ

كتب محمد عبد اللطيف بدوي

ان صلاح الدين حافظ صوتاً صحفياً يحمل حرارة الموقف وصدق الكلمة، فقد انتمى منذ بداياته إلى الصحافة بوصفها رسالة ومسؤولية وليست مجرد مهنة. نشأته بين الكتب والحوارات الفكرية زرعت فيه إحساساً مبكراً بأن الكاتب ليس مجرد ناقل للأحداث، بل شاهد على عصره ومشارك فى تشكيل وعيه. وعندما التحق بمهنة الصحافة، حمل معه هذا الإيمان العميق، فظهر فى أسلوبه المباشر وتحليلاته التى تجمع بين عمق الرؤية وبساطة التعبير، الأمر الذى جعله قريباً من القارئ وموضع ثقة لدى مختلف الأجيال.

امتلك صلاح الدين حافظ قدرة واضحة على الإمساك بخيوط المشهد السياسى والاجتماعى دون أن يفقد الموضوعية أو ينحاز إلا لما يراه مصلحة للوطن. كان يقف دائماً فى المسافة الصعبة بين النقد المسئول والالتزام المهنى، فيكتب بلا تهيّج، ويحاجج بلا خصومة، وينبّه بلا تهويل. استند فى ذلك إلى ثقافة واسعة واطلاع مستمر على التطورات الإقليمية والدولية، وهو ما انعكس على مقالاته التى اتسمت بالتركيب والتحليل العميق، وبقدرتها على قراءة ما وراء الحدث لا مجرد سطحه.

لم يكن حضوره مقتصراً على المقال اليومى، بل كان صوتاً حاضراً فى النقاش العام، يسهم فى توضيح تعقيدات المرحلة ويقربها إلى القارئ العادى. امتاز خطابه بالهدوء رغم حدة ما يناقشه، وبالرقّة رغم صرامة القضايا، مما منحه القدرة على الوصول إلى شريحة واسعة من الجمهور. كان مواظباً على إعادة طرح الأسئلة الكبرى المرتبطة بالهوية والتنمية والعدالة والحرية، مؤمناً بأن المجتمعات لا تتقدم إلا حين تواجه نفسها بشجاعة.

امتاز أيضاً بقدرته على ممارسة النقد الذاتى للمهنة التى يحبها. كان يرى أن الصحافة مرآة المجتمع، وأن ضعفها أو قوتها لا ينفصل عن المناخ العام. ولذلك كان صريحاً فى حديثه عن أخطاء الصحفيين، مدافعاً فى الوقت نفسه عن حرية الرأى والتعبير، داعياً إلى تطوير المؤسسات الإعلامية وضمان استقلالها. تلك الرؤية جعلته واحداً من الأصوات القليلة التى تجمع بين الخبرة المهنية والوعى الفكرى، بين روح الإصلاح وإصرار المبدأ.

لا يمكن تجاهل دوره فى الدفاع عن حقوق المواطنين، فقد كان حريصاً على أن يكون صوته امتداداً لأصوات الناس، يكتب عن مشكلاتهم ومعاناتهم، ويبحث فى جذور القضايا، مستنداً إلى إدراكه العميق بأن الإعلام الحقيقى ليس منفصلاً عن نبض الشارع. كانت قضاياه قضايا المجتمع كله، من العدالة الاجتماعية إلى الحريات العامة إلى الإصلاح السياسى، وقد طرحها دائماً بروح هادئة ومسؤولة تنبذ المبالغة وتقترب من العقل الجمعى.

مع مرور السنوات، أصبحت كتاباته علامة مميزة فى الصحافة العربية، ليس فقط بسبب الأسلوب الرصين، بل لأن خلف كل جملة تفكيراً عميقاً وفهماً دقيقاً لمراحل التحول فى المنطقة. ظل محافظاً على حضوره التأثيرى حتى آخر أيامه، محتفظاً بالحيوية الفكرية نفسها التى بدأ بها، مؤمناً بأن دور الكاتب لا ينتهى ما دام قادراً على قول كلمة حق أو إشعال فكرة. ترك إرثاً من المقالات والمواقف يشهد على اتساع ثقافته ونقاء ضميره وعمق انتمائه، وبقى مثالاً للكاتب الذى يجمع بين المهنة والقيمة، وبين الشجاعة والحكمة، وبين الحضور الفكرى والإنسانى فى آن واحد.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com