فلسطين: الشرعية التاريخية في مواجهة مشاريع التصفية والالتفاف

كتب: إبراهيم رمضان الهمامي
منذ أكثر من قرن، لم تهدأ محاولات القوى الاستعمارية لإعادة صياغة خريطة المنطقة على نحو يخدم الكيان الصهيوني، ذلك الكيان الذي نشأ كغرس استعماري مسموم في قلب الأمة العربية ليكون أداة تفتيت وإخضاع، ويعمل على تمزيق الجغرافيا والهوية وتكريس السيطرة الاستعمارية الحديثة بأدوات قديمة وجديدة.
منذ وعد بلفور المشؤوم عام 1917 مروراً بمرحلة الانتداب البريطاني وما تخللها من سياسات منظمة لتسهيل الهجرة اليهودية وإقامة المستوطنات، ثم النكبة الكبرى عام 1948 وما تلاها من مذابح وتهجير قسري طاول أكثر من سبعمائة ألف فلسطيني تحولوا إلى لاجئين في دول الشتات، ظل المشروع الصهيوني محمياً ومسنوداً من قوى كبرى ترى في وجوده ضمانة لتفتيت المنطقة ومنعها من النهوض أو الاستقلال الحقيقي.
ورغم أن المجتمع الدولي ممثلاً في الأمم المتحدة قد أصدر سلسلة طويلة من القرارات التي تعترف بحق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره وإقامة دولته المستقلة فوق أرضه التاريخية، إلا أن هذه القرارات بقيت حبراً على ورق، لأن القوى نفسها التي أصدرتها كانت ولا تزال تمارس سياسة الالتفاف والمراوغة وتحول دون تنفيذها، وهو ما يؤكد التناقض الصارخ بين النصوص القانونية والواقع السياسي.
من قرار التقسيم رقم 181 الصادر عام 1947، إلى قرار 194 الخاص بعودة اللاجئين، إلى القرار 242 عقب هزيمة 1967، كلها نصوص عجزت عن فرض إرادة العدالة في مواجهة إرادة القوة، وبقي الاحتلال يفرض وقائعه على الأرض تحت حماية الولايات المتحدة والدول الأوروبية التي ترفع شعار القانون الدولي بينما تدوسه بأقدامها كلما تعلق الأمر بفلسطين.
إن ما نشهده اليوم من محاولات إعادة طرح فكرة الدولة الفلسطينية لا ينفصل عن هذا المسار التاريخي الملتوي، فبينما يجري الترويج لخطاب “حل الدولتين” على أنه المخرج الواقعي للصراع، تواصل إسرائيل على الأرض قضم المزيد من الأراضي عبر الاستيطان والتهويد وبناء الجدران وفرض الحصار، بما يحوّل أي كيان فلسطيني قادم إلى مجرد كانتونات محاصرة بلا سيادة، دولة بالاسم ولكنها خالية من مضمون الدولة الحقيقي.
هذه الدولة التي يخطط لها البعض ليست سوى غطاء سياسي لمخطط قديم جديد يهدف إلى تصفية القضية الفلسطينية نهائياً عبر تكريس الأمر الواقع وتفريغ الحقوق التاريخية من مضمونها.
إن مشروع الدولة الفلسطينية في نسخته المطروحة اليوم، كما يروج له الغرب وتتبناه بعض القوى الإقليمية، لا يعدو أن يكون إعادة إنتاج لمشاريع التصفية السابقة، بدءاً من كامب ديفيد مروراً بأوسلو وصولاً إلى “صفقة القرن”.
كلها محطات تشترك في محاولة إقناع الفلسطينيين والعرب بقبول الحد الأدنى والاعتراف بالاحتلال كأمر واقع، مقابل وعود اقتصادية أو وعود بسلام زائف، بينما الحقيقة أن الكيان الصهيوني لا يملك في عقيدته السياسية والعسكرية سوى منطق التوسع والضم والابتلاع التدريجي لكل الأرض الفلسطينية، وتحويل الشعب الفلسطيني إلى مجرد جماعات مقهورة معزولة داخل جزر سكانية محاصرة.
ورغم كل ذلك، فإن جوهر القضية يبقى ثابتاً: فلسطين أرض عربية محتلة، والشعب الفلسطيني يملك شرعية تاريخية وقانونية لا يمكن مصادرتها، مهما طال زمن الاحتلال ومهما تواطأت القوى الكبرى ومهما انخرطت بعض الأنظمة الرسمية في مسار التطبيع والتنازلات.
إن تجربة الشعوب في التاريخ المعاصر تؤكد أن الاستعمار مهما طال عمره فهو إلى زوال، وأن المقاومة بكل أشكالها السياسية والشعبية والعسكرية هي الطريق الوحيد لانتزاع الحقوق وردع المعتدين، فكما هُزمت فرنسا الاستعمارية في الجزائر، وكما اندحر الاستعمار الأمريكي في فيتنام، وكما سقط نظام الأبارتايد في جنوب إفريقيا، فإن الكيان الصهيوني رغم كل قوته العسكرية وترسانته النووية لن يكون استثناءً أمام إرادة شعب صامد يقاوم منذ أكثر من سبعة عقود.
اليوم يقف الفلسطينيون في مواجهة أخطر مراحل التصفية، حيث يسعى الاحتلال إلى استغلال حالة الانقسام الفلسطيني الداخلي، ويعتمد على تواطؤ بعض القوى الدولية والإقليمية، ويستثمر في موجة التطبيع التي تروج لها بعض العواصم، ليقدم نفسه كأمر واقع لا يمكن تجاوزه.
غير أن صمود الشعب الفلسطيني في غزة والضفة والقدس والداخل، واستمرار الانتفاضات المتعاقبة، وبطولات المقاومة المسلحة التي أربكت حسابات الاحتلال وكبدته خسائر فادحة، كلها تشكل الرد العملي على أوهام التصفية، وتؤكد أن فلسطين لا يمكن أن تُمحى من الوعي الجمعي العربي والإسلامي والإنساني.
إن القضية الفلسطينية ليست مجرد نزاع حدودي أو صراع على موارد، بل هي قضية وجود، تختصر المواجهة بين مشروع استيطاني إحلالي يسعى إلى اقتلاع شعب بأكمله من أرضه، وبين حق أصيل لشعب في العيش بحرية فوق أرضه التاريخية.
لذا فإن أي تسوية لا تقوم على التحرير الكامل وعودة اللاجئين وامتلاك السيادة الكاملة، ليست سوى خديعة سياسية جديدة. والتاريخ علمنا أن الشعوب قد تُخدع لبعض الوقت، لكنها لا تتنازل أبداً عن حقوقها الجوهرية، ولا تسلم مقدساتها وأرضها لمن اغتصبها بالقوة.
إن على الأمة العربية أن تدرك أن التفريط في فلسطين ليس شأناً محلياً أو فلسطينياً صرفاً، بل هو تفريط في الأمن القومي العربي كله. فالمشروع الصهيوني لم يكن في يوم من الأيام مقتصراً على حدود فلسطين، بل هو مشروع توسعي يستهدف مصر وسوريا ولبنان والعراق والأردن، ويسعى لإبقاء المنطقة كلها ضعيفة منقسمة، عاجزة عن النهوض أو الاستقلال.
ومن هنا فإن معركة فلسطين هي معركة الأمة، وهي اختبار حقيقي لقدرتها على التماسك ومقاومة الاستعمار الجديد بأدواته العسكرية والسياسية والثقافية والإعلامية.
وفي ظل هذا المشهد المعقد، تبقى كلمة السر هي المقاومة. فالمقاومة ليست خياراً عاطفياً أو مغامرة، بل هي الرد الطبيعي والمنطقي على احتلال استيطاني لا يفهم سوى لغة القوة.
وهي ليست شأناً فلسطينياً خالصاً، بل واجباً قومياً وأخلاقياً وإنسانياً، لأنها تدافع عن آخر قلاع العدالة في عالم تحكمه شريعة الغاب.
مهما حاولت قوى الالتفاف أن تسوّق حلولاً مجتزأة، ستبقى الحقيقة واضحة: فلسطين من النهر إلى البحر أرض عربية، والاحتلال زائل مهما طال الزمن.
المجد للمقاومة، النصر لفلسطين كاملة، والعار لكل مشاريع الالتفاف والتصفية، ولتبقَ فلسطين عنواناً للحرية ورايةً للكرامة في وجه كل من أراد طمسها أو تصفيتها.



