سد أسوان.. “هرم مصر الرابع” الذي شيّدته إرادة ديسمبر

بقلم: حنان سلطان
تحتفل الدولة المصرية في الثالث والعشرين من ديسمبر بذكرى “عيد النصر”، وهي المناسبة التي ترتبط في وجدان المصريين بملحمة الصمود في بورسعيد، لكنها تمتد لتشمل معركة أخرى لا تقل ضراوة وهي معركة البناء والتنمية. ويبرز السد العالي كشاهد تاريخي وعظيم في هذه الذكرى، حيث أراد الزعيم الراحل جمال عبد الناصر أن يكون هذا المشروع رداً عملياً على محاولات كسر الإرادة الوطنية، ليتحول من مجرد مشروع مائي إلى “هرم رابع” شيدته سواعد المصريين.
وتجسد قصة بناء السد العالي معركة السيادة والكرامة؛ فبعد سحب تمويل البنك الدولي، أثبتت مصر للعالم قدرتها على إدارة مواردها وتطويق التحديات. وقد سجلت دفاتر التاريخ أرقاماً إعجازية لهذا المشروع، حيث شارك في تشييده نحو 34 ألف عامل وفني، واستُخدم فيه ركام صخري هائل يقدر بكتلة تماثل 17 هرماً بحجم هرم خوفو الأكبر، مما جعله واحداً من أعظم المشاريع الهندسية في القرن العشرين.
ولم يكن السد العالي مجرد وسيلة للتحكم في تدفق المياه، بل كان “صمام الأمان” الذي حمى مصر من كوارث الفيضانات المدمرة ومخاطر الجفاف لسنوات طويلة. وبفضل هذا الإنجاز، تحول النيل إلى مخزن استراتيجي عبر “بحيرة ناصر”، مما ضمن استدامة الزراعة والأمن الغذائي، بالإضافة إلى دوره المحوري كقاطرة للتنمية الصناعية عبر توربينات توليد الطاقة الكهربائية التي أنارت قرى ونجوع مصر وأطلقت شرارة النهضة الصناعية الكبرى.
ويظل السد العالي في ذكرى ديسمبر رمزاً خالداً لتطويع المستحيل، وقصيدة كفاح نُحتت بصلابة الجرانيت في قلب أسوان. إنه المشروع الذي نقل مصر إلى عصر الحداثة والتحكم الكامل في مقدراتها المائية، ليظل شامخاً يحكي للأجيال القادمة كيف انتصرت إرادة البناء في وجه العواصف، وكيف ظلت مصر منيرة وقوية بإخلاص أبنائها وعزيمتهم التي لا تلين.



