في ذكرى رحيله.. جابر عصفور «سادن التنوير» الذي قاد معارك الحداثة وحرية الإبداع في مصر

بقلم: محمد عبد اللطيف بدوي
تحل اليوم، الحادي والثلاثون من ديسمبر، الذكرى الرابعة لرحيل القامة النقدية والفكرية السامقة، الدكتور جابر عصفور (1944–2021)، الذي وافته المنية في مثل هذا اليوم من عام 2021، بعد مسيرة حافلة بالعطاء الأكاديمي والفكري، جعلت منه واحداً من أهم حراس التنوير والمدافعين عن العقلانية في الثقافة العربية المعاصرة.
من الدقهلية إلى قمة الهرم الثقافي
وُلد جابر عصفور في محافظة الدقهلية، وانطلق من رحاب كلية الآداب بجامعة القاهرة ليصبح أستاذاً للنقد الأدبي يشار إليه بالبنان. لم يكتفِ “عصفور” بأسوار الجامعة، بل امتد تأثيره للفضاء الثقافي العام، حيث ارتبط اسمه بمشروع نقدي رائد يقوم على تحديث أدوات القراءة والانفتاح على المناهج العالمية مثل البنيوية والأسلوبية، مع الحفاظ على صلة واعية وعميقة بالتراث.
فارس معارك التنوير
عُرف الراحل بمواقفه الصلبة في الدفاع عن حرية الإبداع، حيث خاض معارك فكرية شرسة ضد الرقابة والمصادرة والتكفير الثقافي. كان يؤمن بأن التعددية هي جوهر الثقافة، وأن أزمة الأمة تكمن في “التفكير الأحادي” وإقصاء العقل النقدي. وفي كتابه الشهير «زمن الرواية» وغيرها من المؤلفات، رسخ لمفهوم الحداثة كفعل وعي وإعادة قراءة للتاريخ والواقع.
رجل المؤسسة المثقف
لعب د. جابر عصفور دوراً محورياً في العمل الثقافي المؤسسي، لعل أبرزه توليه أمانة المجلس الأعلى للثقافة لسنوات طويلة، حيث حوله إلى خلية نحل من المؤتمرات والنشر والترجمة، مما ساهم في نقل المعرفة النقدية للأجيال الشابة. كما تولى منصب وزير الثقافة، مؤكداً خلال مسيرته على ضرورة استقلال الفعل الثقافي عن الصراعات الأيديولوجية الضيقة.
إرث طه حسين المعاصر
اعتبر الكثيرون جابر عصفور الوريث الشرعي لمشروع عميد الأدب العربي طه حسين؛ فكلاهما آمن بأن الثقافة أداة للتحرر، وأن التنوير هو السبيل الوحيد لخروج العرب من عثراتهم. ترك عصفور عشرات المؤلفات المرجعية مثل «بلاغة الخطاب الثقافي» و**«مفهوم التنوير»**، بأسلوب اتسم بالدقة والصرامة التحليلية والوضوح.
برحيل جابر عصفور في ختام عام 2021، فقدت مصر والوطن العربي عقلاً نقدياً فذاً، لكن تلاميذه ومؤلفاته سيظلون يحملون مشعل العقل والحرية الذي أفنى حياته في الدفاع عنه.



