وثائق وحكايات

” محمد بن سلمان وهيلاري كلينتون ” دلالات تتجاوز البروتوكول

 

كتبت / دعاء هزاع الجابري

في عالمنا السياسي اليوم لا تقرأ الأحداث بحجمها الظاهر بل بوزنها الخفي ، فثمة لقاءات تمر بهدوء بلا بيانات صاخبة ولا صور مكتظة بالتصريحات لكنها تحمل في طياتها ما هو أثقل من الضجيج كله ، فالسياسة الحقيقية لا تدار على المنصات بل في المساحات الرمادية بين الماضي والحاضر حيث تتقاطع الذاكرة الاستراتيجية مع المصالح المتحولة ، لذلك يصبح فهم المشهد أعمق من مجرد رصد لقاء أو استحضار أسماء ، إنه تمرين على قراءة ما وراء الحركة واستيعاب لغة الرسائل غير المباشرة التي ترسل حين تختار الدول أن تتحدث بصمت ،
ومن هنا يبرز لقاء ولي العهد السعودي الأمير ” محمد بن سلمان مع هيلاري كلينتون ” المرشحة السابقة عن الحزب الديمقراطي والسيدة الاولى السابقة للولايات المتحدة ، بوصفه لقاء لحظة محملة بالدلالات لا تفهم خارج تاريخ طويل من البراغماتية السياسية ولا تختزل في بعدها البروتوكولي بل تقرأ كجزء من مشهد أكبر تعاد فيه صياغة موازين النفوذ بهدوء محسوب

ففي السياسة لا تقاس اللحظات بوهج الصورة بل بثقل ما لا يقال فيها ، فهناك لقاءات لا تصنع للعلن ورسائل لا تكتب بالحبر بل تنقش في ذاكرة موازين القوى ، ومن هذا المنظور لا يبدو لقاء ولي العهد محمد بن سلمان بهيلاري كلينتون حدثا عابرا أو حركة علاقات عامة بل إشارة محسوبة في دفتر السياسة الثقيلة ، حيث تدار المصالح ببطء مقصود وهدوء لا يخلو من الحسم ، فلقد عرفت المملكة العربية السعودية كيف تتعامل مع الولايات المتحدة عبر عقود طوال ، لا بمنطق التبعية ولا بمنطق القطيعة بل بمنطق الشراكة المتغيرة وفق تحولات العالم ، وفي عهد بيل كلينتون لم تكن العلاقة ” السعودية / الأمريكية ” مجرد تحالف ” نفطي/ أمني ” تقليدي بل دخلت مرحلة إعادة تعريف صامتة ، مرحلة انتقلت فيها المملكة من كونها حليفا ثابتا في معادلة الحرب الباردة المتأخرة إلى لاعب إقليمي يحسب له حساب في ملفات الاستقرار ، والطاقة ، والتوازنات الشرق أوسطية الدقيقة

أن في تلك المرحلة على وجه الخصوص كانت هيلاري كلينتون جزءا من مطبخ القرار الأمريكي ، شاهدة على لحظة انتقال السياسة الأمريكية من خطاب القوة الصلبة إلى مزيج أكثر تعقيدا من النفوذ الناعم والدبلوماسية الخلفية وإدارة الحلفاء لا عبر الأوامر بل عبر التفاهمات ، وهو ما جعل الذاكرة السياسية المشتركة بين الرياض وواشنطن ليست مجرد أرشيف رسمي بل خبرة تراكمية في فهم لغة المصالح حين تتبدل العناوين ويبقى الجوهر ، وهاهو اليوم يعود هذا التاريخ ليطفو من جديد ، لا على هيئة حنين سياسي بل كأداة قراءة للواقع ، فمحمد بن سلمان لا يتحرك بمنطق اللحظة بل بعقل استراتيجي يدرك أن السياسة العالمية تدار على مستويات متعددة ، وأن الشخصيات التي غادرت المناصب قد تحتفظ بنفوذ يتجاوز الكراسي ، وأن اللقاء مع ” سياسي سابق ” قد يكون أعمق أثرا من اجتماع رسمي معلن

أن في هذا النهج ليس استعراض قوة ، ولا محاولة فرض أمر واقع بل إعادة صياغة هادئة للمشهد حيث تختار المملكة أن تتحدث مع جميع مراكز الثقل القديمة منها والجديدة ، مدركة أن التحولات الكبرى لا تصنع بالتصريحات بل بتراكم الرسائل ، فالنتائج هنا لا تأتي خطية ولا فورية بل تتشكل على مهل  بثبات وتترك أثرها حين يظن الآخرون أن شيئا لم يحدث ، ففي السياسة أخطر الأخطاء ليست في سوء الفعل بل في سوء القراءة ، ومن يظن أن الصمت فراغ أو أن اللقاءات غير الرسمية بلا معنى هو ذاته من يفاجأ حين تتغير الخرائط دون إنذار ، فالتاريخ لم يكتب يوما بأصوات المرتجلين بل بخطوات أولئك الذين فهموا أن الحكمة الحقيقية تعمل في الظل وأن الرسائل العميقة لا تُفسر بالعجلة ، ومن يسيء قراءة هذا النوع من الإشارات السياسية ، لا يخسر معركة واحدة بل يفقد القدرة على فهم اللعبة ذاتها ، وحينها لا تنقلب الطاولة عليه بل يكتشف متأخرا أنه لم يكن جالسا عليها من الأساس .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى