وثائق وحكايات

صوت في العاصفة: تأملات في معنى أن تكون حقوقيًا

كتب: إبراهيم الهمامـــي ـ 30 أكتوبر 2025

 

أن تكون حقوقيًا في هذا الزمن ليس أمرًا سهلًا ولا مهمة تُكسب صاحبها المجد أو الراحة. فالعالم اليوم لا يبشّر بانفتاح إنساني حقيقي، ولا يوحي بأن العدالة والحرية في طريقهما إلى الاتساع. نحن نعيش على حافة الهاوية، حيث يعلو صوت السلاح على صوت العقل، ويُستبدل منطق السلام بمنطق القوة.

لم تعد حقوق الإنسان المرجعية التي يُحتكم إليها بين المتخاصمين، ولا المبدأ الأخلاقي الذي يتوافق عليه الجميع. الغرب الذي صدّر للعالم شعارات الحرية والكرامة والمساواة، عاد ليكشف عن وجهه القديم القبيح، المجبول على الكيل بمكيالين، خاصة في قضايا الشرق الأوسط، حيث باتت دماء الأبرياء تُراق تحت أنظار العالم دون أن يهتزّ ضمير واحد.

وسط هذا المشهد المأزوم، يتساءل كثيرون: ما معنى أن تكون حقوقيًا اليوم؟ وهل ما زال الدفاع عن الإنسان مجديًا في زمن تُنتهك فيه القوانين الدولية بأيدي من وضعوها؟

ففي وقت تُقصف فيه غزة ويُحاصر فيها الأطفال، بينما تصمت المؤسسات الدولية، يجد الحقوقي نفسه أمام معضلة أخلاقية حقيقية: كيف يدافع عن القيم ذاتها التي يتواطأ العالم على انتهاكها؟

الحقوقي، في المفهوم الأممي، هو “المدافع عن حقوق الإنسان”. أما في ثقافتنا، فنطلق عليه لقب “المناضل”، وهو ليس فقط ذلك الناشط الذي يعمل داخل منظمة معترف بها، بل كل من يرفع صوته دفاعًا عن حقٍّ إنساني. فقد يكون الحقوقي صحفيًا، أو سياسيًا، أو مواطنًا بسيطًا يطالب بتعليم أطفاله، أو بماءٍ صالح للشرب في قريته. الفعل هنا هو جوهر الصفة، لا المسمّى.

الحقوقي الحقيقي هو من يؤمن بالإنسان قبل أن يؤمن بالقانون. يؤمن بكرامة الإنسان في وجوده، قبل أن يتحدث عن النصوص والمواثيق. هو من يرى في كل فرد حقًا أصيلًا في الحياة والحرية والاختلاف، بغضّ النظر عن لونه أو دينه أو معتقده أو رأيه السياسي.

لكن هذا الإيمان له ثمن. فالحقوقي لا يساير المزاج العام، ولا يتنازل عن مبادئه إرضاءً لأي سلطة أو جماعة. لا يُجزّئ القيم ولا ينتقي منها ما يوافق هواه. فحقوق الإنسان كلٌّ لا يتجزأ، مترابطة لا يمكن فصلها: لا حرية حقيقية من دون تعليم، ولا صحة من دون كرامة، ولا ديمقراطية من دون ثقافة ووعي.

هذه القيم التي نحيا بها اليوم لم تأتِ صدفة، بل هي نتاج قرون من النضال الإنساني، منذ حركات الإصلاح في أوروبا وحتى تأسيس الأمم المتحدة بعد الحرب العالمية الثانية، حين اجتمع العالم ليصوغ أول إعلان عالمي لحقوق الإنسان عام 1948. كان ذلك الحلم بأن تُصبح الكرامة الإنسانية قانونًا لا يُمسّ. لكن ما نعيشه اليوم يشي بأن هذا الحلم يتآكل.

في عصرنا، يواجه الحقوقيون ضغوطًا خانقة من جهتين: من الدول ومن المجتمعات. فالدول، تحت ذريعة الأمن أو المصالح، تتراجع عن التزاماتها الحقوقية، وتُقصي صوت المدافعين عن العدالة. حتى الدول التي كانت تُعدّ رموزًا في المجال الاجتماعي – مثل فرنسا – بدأت تتراجع عن مكتسباتها في ملفات مثل التقاعد والدعم الاجتماعي، بينما تصبّ جلّ مواردها في التسلح والحروب.

أما المجتمعات، فتعيش حالة من الانهاك المعيشي والغضب، مما جعلها تغرق في مطالبها اليومية، وتفقد إيمانها بأهمية القيم الكبرى. أصبح الحقوقي اليوم محاصرًا بين مطرقة السلطة وسندان الشارع، يواجه كمًّا هائلًا من القضايا والمطالب التي تتجاوز طاقته وقدرته على التأثير.

ويُضاف إلى ذلك مشكلتان أساسيتان تهددان وجوده ذاته: الأولى، التضييق القانوني على المنظمات الحقوقية ومنعها من التسجيل أو العمل تحت حجج واهية، فقط لأنها تنتقد السياسات الرسمية. والثانية، سياسة “التفاوض الصامت” التي تتبعها بعض الدول الكبرى، والتي تسعى إلى تحويل قضايا حقوق الإنسان من شأنٍ دولي إلى شأنٍ داخلي، لا يحق لأحد التدخل فيه.

الولايات المتحدة في عهد ترامب كانت نموذجًا لذلك، حين أسقطت قضايا الحريات وحماية الأقليات من جدول أعمالها، في الداخل والخارج على حد سواء.

إن هذا الانحدار في الاهتمام بحقوق الإنسان ليس مجرد تراجع سياسي، بل هو انتكاسة أخلاقية كبرى. فحين تُصبح المصالح أقوى من المبادئ، يفقد الإنسان قيمته، ويتحوّل إلى أداة في لعبة الأمم.

ومع ذلك، يظل الحقوقي – رغم كل الضغوط – هو الضمير الذي يذكّر العالم بإنسانيته، حتى وإن كان صوته ضعيفًا في عاصفة الصمت. فالدفاع عن الحق لا يقاس بنتائجه السريعة، بل بإصرار صاحبه على الوقوف في وجه الظلم، مهما كان الثمن.

إن منظومة حقوق الإنسان، رغم ما أصابها من تشويه وتناقض في التطبيق، تبقى واحدة من أنبل ما أنجزته البشرية. قد تكون مثالية في نظر البعض، لكنها تظل الحلم الذي يستحق النضال لأجله. فالعصور المظلمة التي شوّهت وجه الإنسان لم تنتهِ بعد، وزوالها لن يكون إلا بتجذّر قيم العدالة والكرامة في وعي الأجيال القادمة.

محمد ابراهيم

تحيا_مــ𓁳_𓆃ـصــ𓅮ـر _𝕰𝖌𝖞𝖕𝖙𓁳𓄿𓅓

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى