” المينونايت ” حين يختار الإيمان أن يعيش خارج الزمن

كتبت / دعاء هزاع الجابري
في أطراف الأرجنتين البعيدة عن صخب المدن ، حيث تمتد الحقول بصمت طويل وتتكئ السماء على الأرض بلا وسيط ، تعيش الطائفة ” المينونايتية ” حياة تبدو وكأنها خرجت من زمن آخر ، جماعة مسيحية بروتستانتية قديمة اختارت منذ قرون أن تجعل من الإيمان طريقا ، ومن العزلة أسلوب حياة ، ومن البساطة قانونا غير مكتوب ، لقد نشأت هذه الطائفة في أوروبا في القرن السادس عشر في قلب حركة الإصلاح الديني ، حين آمنت بأن الخلاص لا يحتاج إلى سلطة بشرية بل إلى قراءة صافية للكتاب المقدس ، وإلى حياة تقوم على ” المحبة ، السلام ، ورفض العنف ” لكن هذا الإيمان الصارم جر عليهم الاضطهاد فحملوا عقيدتهم على أكتافهم وهاجروا عبر القارات بحثا عن حرية العبادة ، ليستقر كثير منهم في الأمريكيتين حيث وجدت قناعاتهم أرضا أوسع للتجذر هناك
في الأرجنتين وبخاصة في مقاطعة ” لا بامبا ” وأجزاء من ” سانتياغو ديل إستيرو وبوينس آيرس ” ، أقام المينونايت مستعمرات ريفية تشبه الجزر المعزولة عن زمنها ، حيث هناك تدار الحياة بإيقاع الزراعة والعمل اليدوي بلا كهرباء ، بلا سيارات ، وبلا شاشات تضيء العتمة ، فالتكنولوجيا الحديثة في نظرهم ليست تقدما بل تشويش روحي ، ولهذا تحظر الهواتف والأجهزة ، ويترك العالم الحديث عند حدود المستعمرة ، ان العائلات هناك تتحدث بلغة ألمانية قديمة ، كأن اللغة نفسها قررت أن تقاوم الذوبان ، الى جانب ذلك فطبيعة لباسهم تختلف تماما ، فالرجال يرتدون ملابس عمل تقليدية والنساء فساتين طويلة وأوشحة للرأس ، في مشهد يوحي بأن الزمن توقف احتراما لقناعتهم ، كل شيء لديهم خاضع لقواعد صارمة من ” التعليم ، العمل ، العلاقات الاجتماعية ” وحتى الإيقاع اليومي للحياة
فالتعليم في مدارسهم يقتصر على الأساسيات مثل : الحساب ، واللغة الألمانية لقراءة الكتاب المقدس ، غير أن هذا النمط يضعهم في توتر دائم مع الدولة الأرجنتينية التي تفرض تعليم اللغة الإسبانية ومناهج وطنية موحدة ، وهكذا يجد المينونايت أنفسهم بين مطرقة الحفاظ على هويتهم وسندان القوانين الحديثة ، في صراع صامت لا تسمع له ضوضاء لكنه عميق الأثر في ذات الوقت ، فالعالم الخارجي يضغط عليهم ببطء من حيث اللغة ، التكنولوجيا ، والاحتكاك المتزايد ، انه صراع خفي بين روحانية متقشفة وقيم مادية متسارعة ، يجعل مستقبل هذه الجماعات معلقا بين الثبات والتحول ، فهم لا يرفضون العالم بدافع العداء بل خوفا من الذوبان ومن فقدان ذلك ” النقاء ” الذي يرونه جوهر وجودهم ، وعلى رغم انعزالهم فلا يعيش المينونايت خارج اهتمام العالم تماما ، فـكندا والولايات المتحدة تحتفظان بعلاقة تاريخية معهم ، حيث نشأت هناك جماعات مينونايتية كبيرة وتتابع مؤسسات دينية وحقوقية أوضاعهم ، خاصة في ما يتعلق بالحريات الدينية والتعليم ، كما تهتم ألمانيا وهولندا بهم من منطلق تاريخي وثقافي ، إذ تعود جذورهم الأولى إلى تلك الأراضي ، وتجرى دراسات أكاديمية حول لغتهم وأسلوب حياتهم هناك ،
أما على المستوى الدولي فهناك رصد من منظمات حقوق الإنسان والهيئات الدينية العالمية لواقعهم ، بهدف حماية حرية العقيدة وتوثيق نمط حياتهم الفريد ، وفي أمريكا اللاتينية ، تتعامل الأرجنتين معهم كجزء من نسيجها الثقافي المتنوع محاولة الموازنة بين احترام عزلتهم وضمان حقوقهم كمواطنين ، فيما تتبادل دول الجوار مثل باراغواي والبرازيل الخبرات حول تنظيم المستعمرات والتعليم والزراعة
أن في كل ذلك لا يشكل المينونايت قضية سياسية أو ملفا صراعيا ، بل حكاية إنسانية عن جماعة اختارت أن تعيش خارج إيقاع العصر ، هم ليسوا ضد العالم بل فقط يريدون أن يعيشوا بطريقتهم في سلام مع الأرض ، ومع الله ، ومع زمن يصر على الجري بينما هم يصرون على المشي ببطء ، ففي عالم يقيس التقدم بسرعة الضوء وعدد الشاشات ، يقف المينونايت كشمعة قديمة ترفض أن تتحول إلى مصباح ، لا لأنهم يجهلون الظلام بل لأنهم يؤمنون بأن النور الحقيقي لا يولد من الأسلاك بل من الطمأنينة ، هم شهود على فكرة نادرة وهي : أن الإنسان يمكنه أن يختار البطء في زمن لا يعترف إلا بالاندفاع ، وأن يحفظ روحه من الضجيج حتى لو خسر صوته في العالم ، نعم قد لا يعرف المستقبل ماذا يفعل بهم ، ولا هم يعرفون كيف سيتعاملون معه ، لكنهم باقون كأثر على هامش التاريخ ، ليذكر البشرية بأن الحداثة ليست قدرا واحدا ، وأن التقدم لا يقاس دائما بما نضيفه إلى حياتنا بل أحيانا بما نملك من شجاعة لنتخلى عنه ، وفي صمت حقولهم حيث لا يرن هاتف ولا يقطع السكون إشعار ، يواصلون العيش كما لو أن الزمن ” ضيف عابر ، لا سيدا يطاع ” .



