وثائق وحكايات

” النجاة من الوهم ” خيانة الوجوه وبراءة الحياة

 

كتبت / دعاء هزاع الجابري

في لحظة ما من العمر لا نعود نبحث عن معنى الحياة بقدر ما نبحث عن معنى البشر فيها ، فالحياة مهما اشتدت قسوتها تظل مفهومة في منطقها ، تختبر وتسقط ثم تمضي دون ادعاء ، أما البشر فيبدؤون حيث تنتهي براءة التجربة ، يختبئون خلف الأقنعة ويعيدون تشكيل وجوههم وفق ما تقتضيه مصالحهم لا وفق ما تمليه القيم ، ومن هنا تبدأ الخيبة الحقيقية ، لا بوصفها صدمة عابرة بل بوصفها وعيا مؤلما بأن ما حسبناه أمانا لم يكن سوى وهم متقن الصنع

فليست الحياة خصما لنا كما يشاع ، بل شاهدا صامتا على هشاشتنا ونحن نخطئ في اختيار من نمنحهم الثقة ، فهي لا تخون لأنها لا تعد بشيء ولا تنافق لأنها لا تتزين بما ليس فيها ، هي قاسية نعم لكنها قسوة العارف الذي يختبر لا قسوة الجلاد الذي يتلذذ ، أما البشر فكثيرا ما يتقنون لعب دور الضحية وهم يمارسون الطعن ويجيدون تمثيل الوفاء بينما ينسجون الخيانة ببطء وصبر ،
وفي عمق التجربة نكتشف أن أكثر ما يؤلم ليس ما فعلته بنا الحياة بل ما فعله بنا من حسبناهم ملاذا ، أولئك الذين اقتربوا لا بدافع المحبة بل بدافع المراقبة ، وانتظروا لحظة ضعف وزلة نور ليبرروا لأنفسهم ما يحملونه من غل قديم ، فالنفوس التي لا تطيق رؤية الخير في غيرها لا تبحث عن فرص للمساندة بل عن أعذار للانقضاض

أن الحياة حين تسحبنا إلى العتمة تفعل ذلك كي نرى بوضوح ، فتجردنا من الزحام وتتركنا وحيدين أمام حقيقتنا وحقيقة الآخرين ، هي لا تقتل الأمل لكنها تعريه وتسقط عنه الأوهام التي علقناها على وجوه بشرية لم تكن تستحق ، فقط عند تلك اللحظة القاسية ندرك أن بعض العلاقات لم تكن جذورا بل قيودا ، وأن بعض القرب لم يكن دفئا بل مراقبة دائمة ، فالبشر المنافقون هم أبناء الخوف لا أبناء الحياة ، يعيشون في ظل الآخرين ويتغذون على انكساراتهم ، يبتسمون حين ننهض لا فرحا بل انتظارا لسقوط أشد إيلاما ، ومع ذلك لا يرحلون حين ينكشفون بل يتقنون فن البقاء في الهامش ويبررون أنفسهم ويعيدون كتابة القصة ليظهرون دائما بأنهم الأبرياء ، وفي ذروة هذا الإدراك بمن حولنا لا تحتضننا الحياة بل تتركنا ننهار بوعي ، فالانكسار الواعي أصدق من السلام الزائف ، فعندها فقط نفهم أن النجاة ليست في كثرة الرفاق بل في قلتهم ، وأن الطهارة لا تعني الخلو من الألم بل الخلو من الزيف ، فالأرض وإن كانت طاهرة منذ الخليقة لا تتردد في لفظ ما لا يشبهها ، وكذلك الأرواح التي تعلمت متأخرة أن بعض البشر ليسوا سوى غبار عالق لا جذور له ولا أثر

وهكذا نمضي بالحياة أكثر صمتا ، أقل انبهارا ، وأشد قسوة في الاختيار ، لا لأننا أصبحنا أشرارا بل لأننا لم نعد نملك ترف الغفلة ، فالحياة لا تكسرنا لكنها تكشف لنا الحقيقة المجردة وهي : أن البشر قادرون على خيانة المعنى ، أما هي فلا تفعل سوى أن تضعه أمام انفسنا بلا كذب ، وفي النهاية لا نخرج من تجاربنا مع البشر أكثر سعادة بل أكثر وعيا ، والوعي في ذاته عبء لا يحتمل إلا بثمن ،  لندرك بذلك متأخرين أن الحياة لم تكن يوما خادعة بل كانت صريحة حد القسوة ، وأن من خانوا لم يفعلوا ذلك لأننا ضعفنا بل لأنهم كانوا ينتظرون لحظة تبرر لهم ما في داخلهم

وبعد ذلك لا نتعلم كيف نثق من جديد بل كيف نختار بصمت وكيف نمضي دون ضجيج ، مكتفين بسلام بارد يخلو من الأوهام ، فالحياة لا تمنحنا عزاء نهائيا ولا تعدنا بعدالة كاملة ، لكنها تمنحنا ما هو أثقل وأصدق ” البصيرة ” نعم البصيرة التي تجعلنا نرى البشر على حقيقتهم لا كما تمنيناهم ، وتجعلنا نفهم أن بعض الخسارات لم تكن إلا شكلا من أشكال النجاة ، وعند هذه النقطة لا نتصالح مع العالم بل نتجاوزه ونتركه خلفنا كما تترك الأرض غبارها ونمضي أخف ، لكن أكثر وحدة وأكثر صدقا مع ذواتنا .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى