جلسة تاريخية في أسواق المعادن النفيسة..من قمم قياسية إلي خسائر حادة

تقرير داليا أيمن
شهدت الأسواق العالمية واحدة من أكثر جلسات التداول اضطرابًا في تاريخ أسواق المعادن النفيسة، بعدما تحولت موجة الصعود القياسي التي سيطرت على التعاملات في الأيام الماضية إلى هبوط حاد ومفاجئ، أطاح بجزء كبير من المكاسب وأعاد حالة القلق إلى المستثمرين بشأن مستقبل هذه الأصول التي لطالما وُصفت بالملاذ الآمن.
من ذروة الصعود إلى بداية الانكسار
في بداية الجلسة، بدت الأسواق ماضية في استكمال مسارها الصاعد، مدفوعة بمخاوف التضخم واضطرابات السياسة النقدية العالمية، قبل أن تنقلب الصورة سريعًا مع تصاعد موجة بيع واسعة، دفعت أسعار الذهب للتراجع بنحو 12% في أحدث المعاملات، في اتجاه لتسجيل أسوأ أداء يومي له منذ أكثر من أربعة عقود.
هذا التحول الحاد يعكس تغيرًا مفاجئًا في سلوك المستثمرين، الذين فضلوا الخروج السريع من مراكزهم الاستثمارية بعد موجة مكاسب قوية، في ظل تصاعد الشكوك حول استدامة موجة الارتفاع التي غذّتها التوترات الاقتصادية والسياسية.
الفضة في قلب العاصفة
جاءت الفضة في مقدمة المعادن الأكثر تأثرًا، بعدما فقدت أكثر من 30% من قيمتها في المعاملات الفورية، لتتراجع إلى نحو 80.56 دولار للأوقية، عقب تسجيلها مستويات تاريخية خلال جلسة الأمس.
ويرى محللون أن الفضة كانت أكثر عرضة للضغوط البيعية بسبب اعتمادها بدرجة أكبر على المضاربات قصيرة الأجل، وهو ما جعلها هدفًا مباشرًا لعمليات جني الأرباح المكثفة، مقارنة بالذهب الذي يحتفظ بطابع استثماري أطول أمدًا.
خسائر تمتد إلى بقية المعادن
لم تقتصر موجة الهبوط على الذهب والفضة، بل امتدت إلى باقي المعادن النفيسة والصناعية، حيث تراجعت أسعار البلاتين بأكثر من 19% لتسجل نحو 2126 دولارًا للأوقية، فيما هبط النحاس بنحو 4%، بعد أن كان قد تجاوز حاجز 14 ألف دولار للطن للمرة الأولى منذ عام 2008، في أكبر قفزة يومية له منذ الأزمة المالية العالمية.
ويعكس هذا التراجع الجماعي مدى الترابط بين أسواق المعادن في ظل بيئة مالية شديدة الحساسية للأخبار الاقتصادية والتطورات السياسية.
السياسة النقدية في قلب المشهد
يعزو مراقبون جانبًا كبيرًا من هذه التقلبات الحادة إلى حالة عدم اليقين التي تحيط بالسياسة النقدية الأميركية، في ظل الضغوط التي يمارسها الرئيس الأميركي دونالد ترامب على رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي جيروم باول للدفع نحو خفض قوي لأسعار الفائدة، رغم بقاء معدلات التضخم فوق المستويات المستهدفة.
وتفاقمت هذه المخاوف مع اقتراب باول من مغادرة منصبه، واختيار كيفين وارش خليفة له، وهو ما أثار تساؤلات واسعة حول مستقبل استقلالية البنك المركزي الأميركي، واحتمالات التحول نحو سياسة نقدية أكثر توافقًا مع التوجهات السياسية للإدارة الأميركية.
مرحلة جديدة من الترقب
وتدخل أسواق المعادن النفيسة مرحلة دقيقة تتسم بارتفاع مستوى المخاطر، مع انتقال المستثمرين بين الأصول الآمنة وأدوات العائد المرتفع في ضوء التطورات المتلاحقة، وهو ما يُرجح استمرار التقلبات خلال الفترة المقبلة.
ويرى محللون أن ما شهدته الأسواق لا يعكس بالضرورة نهاية دور الذهب كملاذ آمن، بقدر ما يعكس حالة إعادة تسعير سريعة فرضتها تغيرات في توقعات أسعار الفائدة والسياسة النقدية، في وقت تتزايد فيه حساسية الأسواق لأي إشارات سياسية أو اقتصادية.
وبينما يترقب المستثمرون المسار القادم للفيدرالي الأميركي، تبقى أسواق المعادن النفيسة أمام اختبار حقيقي لقدرتها على استعادة توازنها بعد واحدة من أكثر الجلسات عنفًا في تاريخها الحديث.
هل تمثل هذه الخسائر بداية تحول في نظرة المستثمرين إلى الذهب والفضة؟ أم أنها مجرد موجة تصحيح بعد صعود استثنائي؟