مصر مباشر - الأخبار

غزة بين الموت والمعبر: حين تتحول المساعدات إلى سلاح سياسي

كتب: إبراهيم الهمامي ـ1 نوفمبر 2025

 

غزة… تلك البقعة الصغيرة التي تحولت إلى رمزٍ للمعاناة الإنسانية، وإلى معمل مفتوح لاختبار حدود الصبر البشري والسياسات الدولية في آنٍ واحد. هذه الأرض الضيقة، التي لا تتجاوز مساحتها 365 كيلومترًا مربعًا، أصبحت – وفق تقارير الرصد السكاني الدولية – أكثر مناطق العالم كثافةً سكانية نسبةً إلى مساحتها. غير أن ضيق المساحة ليس سوى انعكاسٍ رمزي لضيق الأفق السياسي والإنساني الذي يحيط بها منذ عقود.

 

في تقرير البنك الدولي الصادر عام 2022 حول «حالة قطاع غزة»، بلغ الناتج المحلي الإجمالي نحو 2.9 مليار دولار فقط، بينما لم يتجاوز متوسط نصيب الفرد السنوي 1715 دولارًا. أما معدلات الفقر فارتفعت إلى نحو 40%، والبطالة قاربت النصف بنسبة 45%. تلك الأرقام، التي بدت آنذاك مرعبة، تحولت بعد العدوان الإسرائيلي الأخير إلى مجرد ماضٍ “أفضل نسبيًا” من الحاضر الذي انهار فيه كل ما تبقّى من بنى اقتصادية واجتماعية.

 

فما شهدته غزة في الشهور الأخيرة لم يكن حربًا بالمعنى العسكري فحسب، بل كان عملية تدمير شامل لبنية الحياة ذاتها. تقارير الأمم المتحدة والمنظمات الإنسانية تشير إلى انهيار غير مسبوق في الخدمات الصحية، وشللٍ تام في دورة الإمدادات الغذائية والمياه، وتحول آلاف المنازل إلى ركام فوق ساكنيها. باتت غزة تُعامل – حتى في لغة الدبلوماسية الدولية الباردة – كمنطقة منكوبة تستدعي “تدفقًا مستمرًا” للمساعدات، لا بهدف التنمية أو النهوض، بل من أجل مجرد الإبقاء على نبض الحياة قائمًا.

 

ومن هذا المنطلق، جاء مشروع التسوية الذي وُضع في مدينة شرم الشيخ في أكتوبر 2025، ليحاول إعادة ضبط المشهد. فقد نصّت بنوده على إنشاء “بروتوكول إنساني” يضمن تدفقًا يوميًا من المساعدات يتراوح بين 500 و600 شاحنة، تشمل الأغذية والمياه والدواء، إضافة إلى دعم البنية الصحية بما يضمن حدًا أدنى من الاستدامة الإنسانية داخل القطاع. لكنّ جوهر هذا البروتوكول لم يكن إنسانيًا فقط، بل سياسيًا بامتياز؛ إذ يُدرك الجميع، وعلى رأسهم إسرائيل، أن المساعدات أصبحت ورقة ضغط ومساومة أكثر من كونها واجبًا أخلاقيًا أو التزامًا دوليًا.

 

استخدمت إسرائيل هذا الملف بحسابٍ شديد الدقة: فبدل أن تُظهر رفضها الصريح، تحوّلت إلى المتحكم في مفاتيح الدخول والخروج، تُبطئ وتيرة الشاحنات حين تشاء، وتسمح بها حين ترى مصلحةً سياسية أو أمنية في ذلك. فهي تدرك أن التجويع والحرمان أصبحا جزءًا من أدوات الحرب الناعمة، التي تحقق من خلالها ما لا تحققه الصواريخ والقنابل.

 

في المقابل، تحركت القاهرة بثبات وحنكة من اللحظة الأولى للحرب، واضطلعت بدور محوري في صياغة البروتوكول الإنساني ضمن اتفاق الهدنة الثلاثي في يناير 2025. ورغم أن إسرائيل نكثت تعهداتها لاحقًا، فإن مصر تمسكت بالملف باعتباره ركيزة أساسية في أي مسار سياسي قادم، وشرعت عمليًا في إنشاء منظومة دعم لوجستي غير مسبوقة.

 

أُقيم في مدينة العريش أكبر مركز إقليمي للدعم اللوجيستي في الشرق الأوسط، بقدرات تشغيلية وتقنية متطورة شهد لها قادة العالم والمنظمات الأممية. هذا المركز لم يكن مجرد منشأة لتخزين المواد الإغاثية، بل تحوّل إلى نموذجٍ للتكامل بين مؤسسات الدولة المصرية والمجتمع المدني، في مشهد يعبّر عن التزامٍ وطنيٍّ وإنسانيٍّ عميق بدعم الشعب الفلسطيني. لقد قدّمت مصر – عمليًا – رؤية متكاملة لإدارة الأزمات الإنسانية الكبرى، قائمة على الشراكة والتكامل لا على الشعارات والبيانات.

 

لكن خلف هذا المشهد الإنساني البحت، يلوح في الأفق فصلٌ جديد من الصراع: صراع المعابر. فالمعابر ليست مجرد بواباتٍ لإدخال الشاحنات، بل هي شرايين الحياة والسيادة في آنٍ واحد. من خلالها تُقاس قدرة غزة على البقاء، ومن خلالها أيضًا تُقاس قدرة الاحتلال على التحكم في الإيقاع السياسي للحياة داخل القطاع.

 

المعابر – التي كانت تاريخيًا ثمانية، يعمل منها عددٌ محدود بشكل متقطع – تحولت اليوم إلى ساحة اشتباك دبلوماسي وأمني معقّد. إسرائيل تسعى لتكريس تحكمها الكامل فيها بحجة “الأمن”، بينما تتمسك مصر بدور الضامن الإقليمي الذي يحمي حق الفلسطينيين في الحياة والكرامة، مدعومةً بغطاء دولي بدأ يعترف تدريجيًا بثقل القاهرة السياسي وقدرتها على إدارة التوازنات الدقيقة في هذا الملف الشائك.

 

إن الولايات المتحدة، رغم انحيازها التقليدي لإسرائيل، تبدي في هذه المرحلة قدرًا من التفهم لأهمية انتظام تدفق المساعدات عبر البروتوكول الإنساني، لكن هذا التفهم يظل هشًا أمام القدرة الإسرائيلية على ممارسة الابتزاز السياسي. فكل خطوة نحو تخفيف القيود يمكن أن تُجهضها إسرائيل بذريعة “التحقق الأمني” أو “المخاوف من تسرب الأسلحة”. وهكذا، يبقى مصير ملايين الفلسطينيين رهينًا بقراراتٍ تصدر في غرفٍ مغلقة، لا مكان فيها لصوت الضحايا.

 

الصراع حول المعابر والمساعدات هو في جوهره صراع على السيادة والهوية والمستقبل. فحين تتحكم إسرائيل في بوابات غزة، فإنها لا تتحكم فقط في دخول الدقيق والدواء، بل تتحكم في نبض الحياة نفسه، في من يولد ومن يموت، ومن يعيش بكرامة ومن يظل تحت خط النجاة.

 

ورغم كل تلك المعاناة، تبقى الحقيقة الأهم أن القاهرة – بما تمثله من عمقٍ تاريخي وجغرافي وسياسي – تملك مفاتيح التوازن في هذه المعادلة. فكلما عززت مصر حضورها الإنساني والدبلوماسي في هذا الملف، كلما ازداد الضغط الدولي على الاحتلال، وارتفعت فرص أن يتحول “البروتوكول الإنساني” إلى بدايةٍ فعليةٍ لمسارٍ سياسي أكثر عدلًا وإنسانية.

 

لقد أثبتت التجارب أن قوة غزة لا تُقاس بعدد الشاحنات الداخلة إليها، بل بقدرتها على الصمود رغم الجوع، وبتمسكها بالحياة رغم كل ما يُفرض عليها من حصارٍ وموتٍ بطيء. ولهذا فإن المعركة الحقيقية ليست فقط على المعابر، بل على المعنى ذاته: أن تظل غزة على الخريطة، وأن يظل الإنسان الفلسطيني حاضرًا في ضمير العالم، مهما طال الليل ومهما ارتفعت الأسوار.

محمد ابراهيم

تحيا_مــ𓁳_𓆃ـصــ𓅮ـر _𝕰𝖌𝖞𝖕𝖙𓁳𓄿𓅓

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى