وثائق وحكايات

رحل فى مثل هذا اليوم على باشا مبارك

رحل فى مثل هذا اليوم على باشا مبارك

كتب محمد عبد اللطيف بدوي

يعد اسم علي مبارك بوصفه واحداً من الشخصيات التي أسهمت في تشكيل ملامح مصر الحديثة خلال القرن التاسع عشر، فقد جمع بين الدور السياسي والرؤية الإصلاحية والاهتمام العميق بالعلم والتعليم. نشأ في بيئة ريفية بسيطة، لكن طموحه دفعه إلى تجاوز حدودها مبكراً، فشق طريقه في المؤسسات التعليمية والعسكرية حتى صار من أبرز النخب المتعلمة التي برزت في عصر الخديو إسماعيل. وقد انعكست هذه الرحلة على شخصيته، فامتزج فيها الحس الوطني بالمهارة الإدارية، والقدرة على التخطيط بالرغبة في تجديد بنية المجتمع المصري.
تجلت بصمته الإصلاحية حين تولى مناصب عليا في الدولة، فكان مقتنعاً بأن النهضة لا يمكن أن تقوم دون تعليم متين ومؤسسات قادرة على نشر المعرفة. لذلك اهتم بإصلاح المدارس القائمة وإنشاء مؤسسات جديدة، كما تابع تطوير المناهج وطرق التدريس، واضعاً نصب عينيه أن التعليم ليس رفاهية بل ضرورة تبني عليها الدولة مشروعها الحضاري. وقد تمتع برؤية تستوعب التطورات العالمية، فاستفاد من خبراته في أوروبا ليوائم بين تلك التجارب ومتطلبات المجتمع المصري، محاولاً خلق جسر بين الماضي وما يقتضيه الحاضر من تحديث.
لم يكن دوره مقتصراً على التعليم، فعندما شغل منصب ناظر المعارف ثم الأشغال، عمل على تحسين البنية التحتية وتطوير الخدمات العامة، واضعاً أسساً إدارية أكثر انضباطاً وفعالية. ورأى أن الإدارة الرشيدة مكملة للتعليم في تحقيق التقدم، فتبنى خططاً تقوم على الدقة والتنظيم. كما أسهم في مشاريع كبرى ارتبطت بتجديد القاهرة وتطوير شوارعها وميادينها، إذ كان يؤمن بأن الشكل العمراني المتطور يعكس روح الدولة الحديثة، ويمنح المواطنين شعوراً بالانتماء والتغيير. ولم يكن هذا الجهد مجرد تنفيذ لتكليفات رسمية، بل كان امتداداً لفكر إصلاحي يسعى إلى أن تكون مصر جزءاً فاعلاً في حركة العالم المتقدم.
من جهة أخرى، كان علي مبارك مثقفاً واسع الاطلاع وصاحب حضور أدبي وفكري، تجلى ذلك في مؤلفاته التي رصدت تفاصيل الحياة المصرية وسجلت ملامح المجتمع وثقافته. وقد أضفت هذه الكتابات بعداً إنسانياً على نشاطه السياسي والإداري، لأنها كشفت عن اهتمامه بالحياة اليومية للناس ورغبته في توثيق ما يراه من تغيرات اجتماعية. وفي هذا السياق، اتخذ من الكتابة أداة للتنوير، يسعى من خلالها إلى نشر الوعي وتحفيز القارئ على إدراك قيمة العلم والانفتاح على العالم.
ظل تأثيره ممتداً في حياة تلاميذه والمجتمع المصري كله، إذ كان نموذجاً لمسؤول يجمع بين النزاهة والرؤية والعمل الميداني. فقد أخلص في خدمة الدولة، دون أن يغفل البعد الثقافي والمعرفي الذي كان يعتبره أساساً لأي تقدم. وقد تمكن من ترك أثر واضح في تشكيل الإدارة الحديثة وفي ترسيخ قيمة التعليم كركيزة للتطور. لم يكن مجرد سياسي يؤدي مهامه، بل مصلحاً يحمل هماً وطنياً ويطمح إلى أن يرى مصر في مكانة تليق بتاريخها.
رحل علي مبارك تاركاً وراءه إرثاً من الإنجاز والبصيرة، وإيماناً بأن العلم والعمل صنوان لا ينفصلان في مسيرة أي أمة نحو النهوض. وما زال اسمه حيّاً في الذاكرة المصرية، مرتبطاً بمرحلة من الطموح الوطني الذي حاول أن يضع البلاد على طريق العصر الحديث، ويمنح أبناءها فرصة لمستقبل أكثر إشراقاً.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com