” باريس ، حيث لا تمرر القوانين بصمت “

كتبت / دعاء هزاع الجابري
حين تتكلم الشوارع ، يصمت الترف وتتراجع الزينة إلى الخلف
وهكذا هي باريس كلما وضع العدل على المحك ، مدينة تعرف أن الصمت في لحظات الاختبار خيانة للفكرة قبل أن يكون خيانة للناس ، ففي الأزمنة التي يكتب فيها القانون بيد مرتجفة بين الضرورة والمصلحة ، ينهض الوعي ليعيد ترتيب المعنى ويذكر بأن الأوطان لا تدار بالأرقام وحدها بل بما تحمله من إنصاف ، فما يجري اليوم ليس ضجيج احتجاج ، بل حوار مفتوح بين الدولة وضميرها ، وبين النص وروحه ، وبين وطن يخشى الاختلال وشعب يرفض أن يدفع ثمنه وحده ، حيث لم تكن باريس في هذه الأيام مدينة بالمعنى المألوف للمدن كانت فكرة تمشي ، وذاكرة تستيقظ ، ونبضا قديما يعود ليختبر صدق الحاضر
فمنذ أيام خرجت العاصمة الفرنسية من صورتها المؤطرة في البطاقات البريدية ، ونزعت عن وجهها مساحيق الأناقة ووقفت أمام نفسها عارية إلا من وعيها فالشوارع التي لطالما مشت بخطى هادئة ، صارت تمشي بأسئلة ثقيلة وهي : لمن يكتب القانون ؟ وعلى أي ميزان توزن العدالة ؟ وهل يمكن لنص بلا روح أن يحكم وطنا ؟
فحين يشعر الناس أن القوانين لم تعد حارسا للإنصاف بل حارسا للأرقام
وأنها كتبت بمداد المصلحة لا بمداد الضمير ، ينهض الوعي من سباته الطويل
لا ليصرخ بل ليتقدم ، لا يهدم بل ليطالب بإعادة البناء من الأساس ، من الحرف الأول في النص ، ومن الفكرة الأولى في الدولة
ان باريس تعرف هذا الطريق جيدا
تعرفه كما تعرف نهرها ، وكما تحفظ حجارة جسورها ، فكلما اختل الميزان عادت إلى ذاكرتها وفتحت دفاترها القديمة وقرأت بصوت عال ” هنا لا يمر الظلم بهدوء ” ، وكأن التاريخ الملول من التكرار قرر أن ينسخ نفسه مرة أخرى في هذا العام دون أن يغير العنوان ، والاسم هذه المرة بارد وبلا موسيقى ” قانون تمويل الضمان الاجتماعي ” ، الا ان خلف هذا الاسم تختبئ أسئلة وجودية عن الصحة بوصفها حقا لا امتيازا ، وعن الشيخوخة بوصفها كرامة لا عبئا ، وعن الدولة حين تضيق مواردها ، وهل تشارك الجميع في الثمن ، أم تختار الأسهل ؟
وقد ارادت الحكومة للنص أن يعبر سريعا ، أن ينزلق بين الأيام قبل أن ينتبه الشارع ، قالت إن الضرورة تفرضه ، وإن العجز لا ينتظر ، لكن الشارع الذي تعلم القراءة خارج الهوامش قرأ ما لم يكتب ، وشعر أن العبء يميل وأن الكفة لا تستوي ، فوقف في وجه العجلة وقال: التسرع ليس حلا والعدالة لا تختصر ،
وكان الأطباء أول من سمع ارتجاف النص ، فرأوا في سطوره يدا تمتد إلى استقلال مهنتهم وتعيد رسم حدود حريتهم ، وتضع سعرا للجهد الإنساني في خانة ضيقة ، فلم يحتجوا دفاعا عن دخل فقط ، بل عن معنى العمل حين يفرغ من كرامته ، وجاءت معهم النقابات واليسار ، وكل من شعر أن الفاتورة كتبت بلغة يعرفها الفقراء جيدا ، بينما تخفى عن الأغنياء بين السطور
و لم تنج قاعات البرلمات هي الاخرى من هذا الصدع ، فتكسرت الكلمات تحت القبة ، وتعثرت الأغلبية ، وعاد القانون من مجلس إلى مجلس كمسافر لا يجد محطة ترضى به ، بلا إجماع ولا يقين ، فقط نص يقف في المنتصف ، لا هو مقبول ولا هو مرفوض بالكامل ، يشبه وطنا يسأل عن وجهته ، ومع ذلك لم تغلق باريس ابوابها مطلقا ، لقد تركت نافذة مفتوحة للحل ، ولإمكانية أن يجلس المختلفون حول طاولة واحدة ، لا لاقتسام النفوذ بل لإعادة الاعتبار لفكرة القانون ذاتها ، فالقانون في وعي هذه المدينة ليس سيفا يشهر بل عقدا أخلاقيا يوقع عليه الجميع
ومن هنا يظهر الفرق الذي لا يقاس بالأرقام ، بين انتفاضة تشبه النور حين يتسلل ببطء إلى غرفة مظلمة ، وانتفاضة تشبه النار حين تلتهم كل شيء ،
بين شعب يحتج ليحمي دولته ، وآخر يدفع ليهدمها دون أن يدري ، لذلك ستظل باريس مهما تغيرت الأزمنة مرآة عالية أمام العالم ، تقول دون خطابة ودون شعارات ” إن الوعي حين ينهض ، لا يبحث عن الخراب بل عن المعنى ،
وإن الوطن لا ينقذ بالصمت ولا بالقوانين الجوفاء ، بل بشعب يعرف متى يقول لا ، ومتى يفتح الطريق ل نعم أكثر عدلا ، وستبقى عاصمة النور تعطينا درسا مفتوحا في كتاب التاريخ ” أن الشعوب الواعية لا ترفض القوانين لأنها قوانين ، بل لأنها تريدها عادلة وأن باريس وان تغيرت بها الأزمنة ، ستظل المدينة التي تذكر العالم أن الوعي حين ينتفض ، لا يفعل ذلك ليكسر الوطن بل ليعيد إليه روحه .